هـ ـ أبوبكر البيهقي صاحب السّنن الكبرى .
و ـ أبوبكر البزار صاحب المسند .
ز ـ أبو عيسى الترمذي صاحب السنن أحد الصحاح الستّة .
حول
« آية الجهاد »
روى الحافظ جلال الدين السيوطي عن السور بن مخرمة ما نصّة :
« قال عمر لعبد الرحمن بن عوف : ألم تجد فيما أنزل علينا : « أن جاهدوا كما
جاهدتم أول مرة » فأنا لا أجدها ؟
قال : اسقطت فيما اسقط من القرآن » (1) .
في هذا الحديث : أنّ اثنين من كبار الصحابة وهما :
1 ـ عمر بن الخطاب .
2 ـ عبد الرحمن بن عوف .
كانا يعتقدان : أنّ الآية كانت ممّا انزل من قبل الله تعالى من القرآن
الكريم .
ثم إنّ معنى قوله : « اسقطت ... » أنّهما كانا يعتقدان بكونها من القرآن
بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أيضاً ، وأنّ هناك إسقاطاً من القرآن ...
حول
آية « المتعة »
وهي قوله تعالى : ( فما استمتعم به
منهنّ فآتوهنّ اُجورهنّ ) (2) ، فقد
____________
(1) الاتقان
3 : 84 .
(2) سورة النساء 4 : 2 ، انظر الدّر المنثور 2 : 139 وما بعدها .
===============
( 174
)
ورد في أحاديث القوم عن بعض الصحابة أنّه كان يقرأ « فما استمتعتم به منهنّ ( إلى
أجل ) ... » وأنّ بعضهم كتبها كذلك في مصحفه ، وعن ابن عباس قوله : « والله
لأنزلها كذلك » وقد صحّح الحاكم هذا الحديث عنه في « المستدرك » من طرقٍ عديدة (1)
.
وفي التفسير الكبير : أنّ ابيّ بن كعب وابن عباس قرءا كذلك ، والصحابة ما
أنكروا عليها (2) .
وقال الزمخشري : « وعن ابن عباس : هي محكمة ـ يعني لم تنسخ ـ وكان يقرأ :
فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى ، ويروى : أنّه رجع عن ذلك عند موته ، وقال :
اللّهم إني أتوب إليك من قولي بالمتعة ، وقولي في الصرف » (3) .
وقال الحافظ ابن حجر في تخريجه : « أمّا رجوعه عن المتعة فرواه الترمذي
بسند ضعيف عنه ، وأمّا قوله : اللّهمّ إني أتوب إليك من قولي بالمتعة فلم أجده » .
وإذا ما انضّم إلى ذلك ثبوت مشروعية المتعة وعمل المسلمين بها حتى زمن عمر
بن الخطاب ، حيث نهى عنها وأوعد بالعقاب عليها ، حصل القطع بنزول الآية كذلك كما
تفيد الأحاديث المذكورة ، وأنّ كلمة « إلى أجل » وقع بعد وفاة النبي (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) .
حول
آية « الصلاة على النبي صلّى الله وآله وسلّم »
روى الحافظ جلال الدين السيوطي عن حميدة بنت أبي يونس ، قالت :
____________
(1) المستدرك
على الصحيحين 2 : 35 .
(2) التفسير الكبير 10 : 51 .
(3) الكشاف 1 : 519 .
===============
( 175
)
« قرأ عليّ أبي ـ وهو ابن ثمانين سنة ـ في مصحف عائشة « إنّ الله وملائكته يصلّون
على النبي يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً ـ وعلى الذين يصلّون
الصفوف الأول ـ .
قالت : قبل أن يغيّر عثمان المصاحف » (1) .
يفيد الحديث : أنّ هذه الزيادة كانت مثبتة في مصحف عائشة ، ولا شك أنّها قد
سمعت الآية كذلك من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وكتبتها في مصحفها كما سمعت ، وبقي المصحف إلى زمن عثمان بن عفان يتلوه
النّاس ويتداولونه ، حتى قام عثمان فغيّر المصاحف وأسقط من الآية هذه الزيادة .
هذا ما يفيده الحديث ، وهو يدّل على أنّ عائشة والّذين كانوا يقرأون مصحفها
ـ ومنهم أبو يونس الذي قرأ الآية على ابنته وهو ابن ثمانين سنين كما حدّثتنا هي ـ
كانوا يعتقدون أنّ الزيادة تلك من القرآن الكريم على حقيقته .
حول
آية « الشهادة »
أخرج مسلم بن الحجاج في « الصحيح » عن أبي موسى الأشعري أنّه قال ـ في
الحديث المتقدّم ، فيما ذكرناه حول سورة كانوا يشبّهونها بإحدى المسبّحات ـ : «
وكنّا نقرأ سورة كنا تشبّهها بإحدى المسبّحات فنسيتها غير أنّي حفظت منها :
يا أيّها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ـ فتكتب شهادة في أعناقكم
فتسألون عنها يوم القيامة ـ » (2) .
وهذا حديث صحيح لإخراج مسلم إيّاه في ( صحيحه ) ، هو يفيد أنّ أبا
____________
(1) الإتقان
في علوم القرآن 3 : 82 .
(2) صحيح مسلم 2 : 726 .
===============
( 176
)
موسى الأشعري كان يحفظ سورة طويلة ، وكان يقرؤها ، غير أنّه لم يحفظ منها غير
الآية ، وفيها زيادة : « فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة » وهي
غير موجود في المصحف الموجود .
حول
آية « ولاية النبي (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) »
1 ـ قال الحافظ جلال الدين السيوطي : « أخرج الفريابي والحاكم وابن مردويه
، والبيهقي في سننه ، عن ابن عباس ، أنّه كان يقرأ هذه الآية : « النبي أولى
بالمؤمنين من أنفسهم ـ وهو أب لهم ـ وأزواجه أمّهاتهم » (1) .
2 ـ وقال الحافظ السيوطي أيضاً : « أخرج عبد الرزاق ، وسعيد بن منصور ،
وإسحاق بن راهويه ، وابن المنذر ، والبيهقي ، عن مجالد ، قال : مرّ عمر ابن الخطاب
بغلام وهو يقرأ في المصحف : « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امّهاتهم ـ
وهو أب لهم ـ » .
فقال : يا غلام حكّها .
فقال : هذا مصحف ابيّ بن كعب .
فذهب إليه فسأله فقال : إنّه كان يلهيني القرآن ، ويلهيك الصفق بالأسواق » (2)
.
فزيادة « وهو أب لهم » ـ بحسب هذين الحديثين ـ كانت من القرآن الكريم في
رأي صحابيّين كبيرين هما :
1 ـ عبد الله بن العباس .
____________
(1) الدر
المنثور 5 : 183 .
(2) الدرّ المنثور 5 : 183 .
===============
( 177
)
2 ـ اُبيّ بن كعب .
حتى أنّ عمر لمّا اعترض على ابيّ أجابه بقوله « إنّه كان يلهيني القرآن
ويلهيك الصفق بالأسواق » .
ويفيد الحديث أنّ مصحف ابيّ بن كعب كان متلواً بين الناس معتقدين صحته
ومعتمدين عليه ، حتى أنّ عمر لما قال للغلام : « حكّها » قال له : « هذا مصحف ابيّ
بن كعب » .
وقد روى الحافظ السيوطي ذلك عن جماعة من أعيان الحفّاظ وهم :
1 ـ عبد الرزّاق بن همام الصنعاني .
2 ـ سعيد بن منصور . صاحب السنن .
3 ـ إسحاق بن راهويه . شيخ البخاري ومسلم وغيرهما .
4 ـ الحاكم النيسابوري ، صاحب المستدرك .
5 ـ الفريابي شيخ أحمد والبخاري وغيرهما .
6 ـ أبو بكر ابن مردويه الأصبهاني .
7 ـ أبوبكر البيهقي صاحب السنن الكبرى .
8 ـ أبوبكر ابن المنذر الإمام المجتهد .
حول
آية « الحميّة »
روى الحافظ جلال الدين السيوطي عن النسائي الحاكم قال : وصحّحة ـ من طريق
ابن أبي إدريس « عن ابيّ بن كعب أنّه كان يقرأ : « إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم
الحميّة حميّة الجاهلية ـ ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام ـ فأنزل الله
سكينته على رسوله » فبلغ ذلك عمر ، فاشتدّ عليه ، فدعا ناساً من أصحابه ـ
===============
( 178
)
فيهم زيد بن ثابت ـ فقال :
من يقرأ منكم سورة الفتح ؟
فقرأ زيد على قراءتنا اليوم .
فغلّظ له عمر ، فقال : إني أتكلّم ؟
فقال : تكلّم .
قال : لقد علمت أني كنت أدخل على النبي ـ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ ويقرؤني وأنت بالباب ، فإن أن اقرىء الناس على ما أقرأني أقرأت وإلاّ لم
أقرأ حرفاً ما حييت .
قال : بل أقرئ الناس » (1) .
وفي هذا الحديث : أنّ عمر بن الخطاب عندما بلغته قراءة ابيّ اشتدّ عليه ثم
أغلظ له أمام ناس من الصحابة ، ولكن أبيّاً خصمه بما قال : ومعنى ذلك : أنّ تلك
الزيادة قد تعلّمها من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وهو عندما كان يقرى الناس كان يعتقد بأنّه يقرؤهم القرآن الكريم كما انزل
على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .
ولقد كان لاعتقاده الراسخ وجزمه برأيه أثره البالغ في نفس عمر ، حتى قال له
بعد أن اشتدّ عليه وأغلظ له : « بل أقرئ الناس » .
وقد روى الحافظ السيوطي الحديث عن :
1 ـ النسائي صاحب السنن أحد الصحاح الستّة .
2 ـ الحاكم صاحب المستدرك على الصحيحين . وذكر أنّ الحاكم صحّح الحديث .
____________
(1) الدر
المنثور 6 : 79 .
===============
( 179
)
حول
آية ( كفي الله
المؤمنين القتال )
روى الحافظ جلال الدين السيوطي في تفسير قوله تعالى : ( كفي الله المؤمنين القتال ) (1) عن
ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر ، « عن ابن مسعود : أنّه كان يقرأ الآية هكذا
: « كفى الله المؤمنين القتال ـ بعلي بن أبي طالب ـ » (2) .
وهذا الحديث صريح في أنّ عبدالله بن مسعود كان يعتقد أنّ اسم أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب عليه السلام كان ثابتاً في أصل القرآن الكريم ، وكذلك في بعض
روايات الشيعة ، وللآية نظائر كثيرة كما تقدم في ( الباب الأول ) .
وابن مسعود كان من أكثر الصحابة تعلّماً من رسول الله (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) وحضوراً عنده ، حتى
روى أهل السنّة عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، في حقه أحاديث كثيرة منها قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : « تمسّكوا بعهد ابن امّ عبد » .
ولقد كان مصحفه هو المصحف الوحيد المعتمد لدى امّة كبيرة من المسلمين ،
وسيأتي أنّ عثمان بن عفان طلب مصحفه فلم يدفعه إليه ، فأمر بضربه .
وقد روى الحافظ السيوطي الحديث عن ثلاثة من أئمة الحفاظ وهم :
1 ـ أبو القاسم ابن عساكر حافظ الشام .
2 ـ إبن أبي حاتم الرازي .
3 ـ أبوبكر إبن مردويه الأصبهاني .
____________
(1) سورة
الأحزاب : 25 .
(2) الدر المنثور 5 : 192 .
===============
( 180
)
حول
آية « المحافظة على الصلوات »
1 ـ ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني : « أنّه روى مسلم بن الحجاج وأحمد ابن
حنبل من طريق أبي يونس عن عائشة : إنّها أمرته أن يكتب لها مصحفاً ، فلمّا بلغت :
( حافظوا على الصلوات ) قال :
فأملت عليّ : « حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ـ وصلاة العصر ـ » قالت : سمعتها
من رسول الله ـ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ » (1) .
ورواه مالك بن أنس أيضاً (2) .
2 ـ وروى مالك عن عمرو بن نافع قال : « كتبت مصحفاً لحفصة ، فقالت : إذا
أتيت هذه الآية فآذنّي ، فأملت عليّ : « حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ـ
وصلاة العصر ـ » (3) .
ورواه الحافظ السيوطي عن عدّة من الأئمة والحفّاظ (4) .
تفيد هذه الأحاديث : أنّ كلمة « وصلاة العصر » كانت ثابتة في مصحف عائشة
وحفصة ، ولو لم تكونا معتقدتين أنّها من القرآن حقيقة لما أمرتا بإثباتها ، ولا
سيمّا حفصة ، حيث أمرت الكاتب أمرت الكاتب أن يؤذنها ببلوغه الآية لتملي عليه .
فما هذا الإهتمام البالغ من عائشة وحفصة إلاّ لعلمهما القاطع بأنّ « وصلاة
العصر » من الآية حقيقة ، وأنّها نزلت من الله سبحانه على النبي الكريم (صلّى الله
____________
(1) فتح
الباري في شرح البخاري 8 : 158 .
(2) الموطّأ 1 : 138 | 25 .
(3) الموطّأ 1 : 139 | 26 .
(4) الدر المنثور 1 : 302 .
===============
( 181
)
عليه وآله وسلّم) .
ورواة الأحاديث هم أئمة أهل السنّة ، أمثال :
1 ـ عبد الرزاق بن همام الصنعاني .
2 ـ أحمد بن حنبل صاحب المسند وأحد الأئمة الأربعة .
3 ـ مالك بن أنس صاحب الموطّأ وأحد الأئمة الأربعة .
4 ـ البخاري صاحب الصحيح .
5 ـ مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح .
6 ـ أبي يعلى الموصلي صاحب المسند .
7 ـ عبد بن حميد صاحب المسند .
8 ـ ابن جرير الطبري صاحب التاريخ والتفسير وتهذيب الآثار .
9 ـ ابن أبي داود صاحب المصاحف .
10 ـ أبي بكر البيهقي صاحب السنن الكبرى .
11 ـ النسائي صاحب السنن أحد الصحاح .
12 ـ الترمذي صاحب السنن أحد الصحاح .
13 ـ ابن حجر العسقلاني شيخ الاسلام الحافظ على الإطلاق .
14 ـ جلال الدين السيوطي صاحب المؤلّفات الكثيرة .
حول
آية « رضاعة الكبير عشراً »
أخرج ابن ماجة عن عائشة قالت : « نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً ،
ولقد كان في صحيفة تحت سريري ، فلمّا مات رسول الله ـ (صلّى
الله عليه
===============
( 182
)
وآله وسلّم) ـ وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها » (1) .
وأخرجه غيره أيضاً .
وظاهره أنّ الآية كانت ممّا يتلا ويقرأ من القرآن حتى وفاته (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) ، ومقتضى ذلك أن
تذكر الآية في القرآن وتحفظ عند جمعه حتى لو فرض نسخ حكمها .
حول
آية ( يا أيّها
الرسول بلّغ ... )
قال الحافظ السيوطي : « أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود ، قال : كنّا نقرأ
على عهد رسول الله ـ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ « يا أيّها الرسول بلّغ ما انزل إليك من ربك ـ إنّ علياً مولى المؤمنين
ـ وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس » (2) .
وهذا موجود في كتب الشيعة من طرفهم ، ولقائل أن يقول : لعلّ وجود هذا ونحوه
في مصحف ابن مسعود هو السبب في رفض القوم له ، وإصرارهم على أخذه منه وإعدامه .
حول آية ( إنّ الله اصطفى
آدم ... )
أخرج الثعلبي بسنده عن أبي وائل قال : « قرأت في مصحف عبدالله بن مسعود :
إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران ـ وآل محمد ـ على
____________
(1)
السنن لابن ماجة 1 : 625 .
(2) الدرّ المنثور 2 : 298 .
===============
( 183
)
العالمين » (1) .
وهذا أيضاً ممّا رواه الشيعة في كتبهم بطرقهم .
حول
« آيتين سقطتا من المصحف »
روى الحافظ جلال الدين السيوطي عن أبي سفيان الكلاعي : « أنّ مسلمة ابن
مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم : أخبروني بأيتين من القرآن لم تكتبا في المصحف ،
فلم يخبروه ـ وعندهم أبو الكنود وسعد بن مالك ـ .
قال لي مسلمة : « إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله
بأموالهم وأنفسهم ، ألا أبشروا أنتم المفلحون .
والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم ، اولئك لا
تعلم نفس ما اخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون » (2) .
وظاهر هذا الحديث : أنّ مسلمة كان يعتقد بأنّ الآيتين من آيات القرآن
الحكيم حقيقة ، ولكن سقطتا ولم تكتبا في المصحف .
ولو لم تكن الآيتان من القرآن العظيم لردّ عليه الحاضرون ذلك ، وكان عذراً
لهم في عدم إخبارهم إيّاه عن الآيتين أو جهلهم به .
حول
« عدد حروف القرآن »
روى الحافظ السيوطي عن عبدالله بن عمر بن الخطاب أنّه قال : « لا
____________
(1) تفسير
الثعلبي ـ مخطوط ـ .
(2) الإتقان في علوم القرآن 3 : 84 .
===============
( 184
)
يقولنّ احدكم قد أخذت من القرآن كلّه ، وما يدريه ما كلّه ؟! قد ذهب منه قرآن كثير
، ولكن ليقل : قد أخذت منه ما ظهر » (1) .
وروى الحافظ المذكور أيضاً عن الطبراني عن عمر الخطاب أنّه قال : « القرآن
ألف ألف ( وسبعة وعشرون آلف ) حرف » (2) .
إنّ المستفاد من هذين الحديثين هو : ضياع أضعاف هذا القرآن الموجود بين
الناس .
فابن عمر ينهى عن أن يقول قائل : « قد أخذت من القرآن كلّه » موضحاً ذلك
بقوله : « قد ذهب منه قرآن كثير » ثم يأمر بأن يقول : « قد أخذت منه ما ظهر » أي :
ما بقي .
وأمّا عمر بن خطاب فقد ذكر عدد حروف القرآن الكريم الذي نزل على النبي (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) ، وهاذ العدد أكثر
بكثير من عدد حروف القرآن الموجود .
____________
(1) الإتقان
في علوم القرآن 3 : 81 .
(2) الإتقان في علوم القرآن 1 : 242 .
===============
( 185
)
ثمّ إنّ ممّا يدلّ على النقصان أو يثير شبهات في الأذهان ،الأحاديث التي
يروونها في كيفيّة جمع القرآن ، وهي أيضاً كثيرة في العدد ومعتبرة في السند ،
وإليك شطراً منها :
1 ـ السيوطي عن زيد بن ثابت : « قبض رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلّم
ـ ولم يكن القرآن جمع في شيء » (1).
2 ـ البخاري بسنده عن زيد بن ثابت ، قال : « أرسل إليّ أبو بكر بعد مقتل
أهل اليمامة ، فإذا عمر بن الخطاب عنده ، قال أبوبكر : إنّ عمر أتاني فقال : إنّ
القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرأن ، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء
بالمواطن فيذهب كثير من القرآن ، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن ، قلت لعمر : كيف
تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ؟ قال عمر : هذا والله خير ، فلم يزل عمر يراجعني
حتى شرح الله صدري لذلك ، ورأيت في ذلك رأي عمر ، قال زيد ، قال أبو بكر : إنّك
رجل شابّ عاقل لانتهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ـ (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) ـ ، فتتبع القرآن
فاجمعه ، فو الله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ماكان اثقل عليّ ممّا أمرني به من
جمع القآن قلت : كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله ـ (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) ـ ؟ قال : هو والله
خير، فلم يزل أبو بكر يراجني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ،
فتتبّعت
____________
(1)
الإتقان في علوم القرآن 1 : 202 .
===============
( 186
)
القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال ، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي
خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره : ( لقد
جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم ... ) حتى خاتمة براءة ،
فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاه الله ، ثم عند عمر في حياته ، ثم عند حفصة بنت
عمر » (1) .
3 ـ وروى البخاري بسنده عن أنس ، قال : « إنّ حذيفة بن اليمان قدم على
عثمان ، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع
حذيفة اختلافهم في القراءة ، فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين أدرك هذه الامة
قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي
إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ، ثم نردّها عليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ،
فأمر زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن
هشام ، فنسخوها في المصاحف ، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم
أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنّما نزل بلسانهم ،
ففعلوا ، حتى إذا نسخوا المصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف على حفصة ، فأرسل إلى
كلّ أفق بمصحف ممّا نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق
» (2) .
4 ـ أخرج ابن أبي داود : « إنّ أبا بكر قال لعمر وزيد : أقعدا على باب
المسجد ، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه » (3) .
5 ـ أخرج ابن أبي داود : « أنّ عمر سأل من آية من كتاب الله : فقيل :
____________
(1) صحيح
البخاري ـ باب جمع القرآن ـ 6 : 225 .
(2) صحيح البخاري 6 : 226 .
(3) الإتقان في علوم القرآن 1 : 205 .
===============
( 187
)
كانت مع فلان ، قتل يوم القيامة ، فقال : إنّا لله ... وأمر بجمع القرآن ، فكان
أول من جمعه في المصحف » (1) .
6 ـ أخرج ابن أبي داود بإسناده عن علي عليه السلام قال : « أعظم الناس في
المصاحف أجراً أبو بكر ، إنّ أبا بكر أوّل من جمع كتاب الله » (2) .
الشبهات
النّاشئة عن هذه الأحاديث
هذه الطائفة من الأحاديث في كيفية جمع القرآن ، ومن أراد المزيد فليراجع
ابواب جمع القرآن وغيرها من المظان ، في الصحاح وغيرها ككنز العمّال والإتقان .
وفي هذه الأحاديث شبهات حول القرآن :
لقد دلّت هذه الأحاديث على أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد قبض ولمّا يجمع القرآن ، ففي واحد منها يقول زيد بن ثابت لأبي بكر بعد
أن أمره بجمع القرآن : « كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله » وفي آخر يقول : «
قبض رسول الله ـ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ ولم يكن القرآن جمع في شيء » وقد تقدّم عن عائشة أنّها قالت بالنسبة إلى
بعض الآيات : « كان في صحيفة تحت سريري ،
____________
(1)
الإتقان في علوم القرآن 1 : 204 .
(2) الإتقان في علوم القرآن 1 : 204 .
===============
( 188
)
فلمّا مات رسول الله عليه وآله وسلّم ـ وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها » .
وإذا كان القرآن كما تقيد هذه الأحاديث غير مجموع على عهده (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) على ما هو عليه
الآن ، وأنّ الصحابة هم الذين تصدّوا الجمعه من بعده ، فإنّ من المحتمل قريباً
ضياع بعضه هنا وهناك بل صريح بعضها ذلك ، وحينئذ يقع الشك في أن يكون هذا القرآن
الموجود جمعاً لجميع ما أنزل الله عزّ وجلّ على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .
وتفيد طائفة اخرى من أحاديثهم في باب جمع القرآن : أنّ الجمع كان بعد أن
قتل عدد كبير من القرّاء في حرب اليمامة (1) . فعمدوا إلى جمعه وتدوينه
مخافة أن يفقد القرآن بفقد حفّاظه وقرّائه ، كما ذهبت آية منه مع أحدهم كما في
الخبر .
وهذا بطبيعة الحال يورث الشك والشبهة في هذا القرآن .
وصريح بعض تلك الأحاديث : أنّهم تصدّوا الجمع القرآن من العسب
____________
(1) راجع
حول حرب اليمامة : حوادث السنة 11 من تاريخ الطبري 3 : 281 ـ 301 .
===============
( 189
)
والرقاع واللخاف (1) ومن صدور الرجال الباقين بعد حرب اليمامة ، لكن
بشرط أن يشهد شاهدان على أنّ ما يذكره قرآن ، ففي الحديث عن زيد : « فتتبعت القرآن
أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال » وفيه : « وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى
يشهد شاهدان » .
ومن المتسالم عليه بين المسلمين عدم عصمة الأصحاب (2) ، والعادة
تقضي بعدم التمكّن من الإحاطة بجميع ما هم بصدده في هذه الحالة ، بل لا أقل من
احتمال عدم إمكان إقامة الشاهدين على بعض ما يدّعى سماعه من النبي (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) ، بل قد وقع ذلك
بالنسبة إلى بعضهم كعمر في آية الرجم ، حيث ذكروا : « أنّ عمر أتى بآية الرجم فلم
يكتبها لأنّه كان وحده » .
لكن العجيب من زيد ردّ عمر لكونه وحده وقبول ما جاء به أبو خزيمة الأنصاري
وحده ، فلماذا ردّ عمر وقبل أبا حزيمة ؟ وهل كان لأبي خزيمة شأن فوق شأن عمر ؟ وهو
من الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشّرة بالجنّة عندهم ؟!
وإعدام عثمان المصاحف ممّا تواترت به الأخبار بل من ضروريات التأريخ
____________
(1) اللخاف
: حجارة بيض رقاق ، واحدتها لخفة . الصحاح ( لخف ) 4 : 1426 .
(2) بل فيهم من ثبت فسفه ونفاقه ... وسنتكلّم بعض الشيء حول عدالة الصحابة في
الفصل الخامس .
===============
( 190
)
الإسلامي (1) وهذه القضية ـ بغضّ النظر عن جزئياتها ـ تفضي إلى الشكّ
في هذا القرآن ، إذ الإختلاف بينه وبينها قطعي ، فما الدليل على صحته دونها ؟ ومن
أين الوثوق بحصول التواتر لجميع سوره وآياته ؟ لا سيمّا وأنّ أصحاب المصاحف تلك
كانوا أفضل وأعلم من زيد بن ثابت في علم القرآن ، لا سيمّا عبدالله بن مسعود الذي
أخرج البخاري عنه أنّه قال : « والله لقد أخذت من فيّ رسول الله ـ (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) ـ بضعاً وسبعين
سورة ، والله لقد علم أصحاب النبي ـ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ بضعاً وسبعين سورة ، والله لقد علم أصحاب النبي ـ (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) ـ أنّي أعلمهم
بكتاب الله » وروى أبو نعيم بترجمته أنّه قال : « أخذت من فيّ رسول الله ـ (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) ـ سبعين سورة وإنّ
زيد بن ثابت لصبي من الصبيان ، وأنا أدع ما أخذت من فيّ رسول الله ؟!» (2)
.
____________
(1) جاء
في بعض الأخبار أنّه أمر بطبخها ، وفي بعضها : أمر بإحراقها ، وفي بعضها : أمر
بمحوها .
(2) حلية الأولياء 1 : 125 .
===============
( 191
)
ويظهر من خلال الأخبار والآثار كثرة تكلّم الصحابة والتابعين في جمع عثمان
المصاحف ، فمنهم من طعن في زيد بن ثابت الذي باشر الأمر بأمر عثمان ، ومنهم من طعن
في كيفيّة الجمع ، ومنهم من كان يفضّل مصحف غيره من الصحابة تفضيلاً لأصحابها على
عثمان في علم القرآن .
لقد كثر التكلّم والقول فيه حتى انبرى أمير المؤمنين عليه السلام ـ فيما
يروون ـ ليدافع عن عثمان ومصحفه . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني : « وقد جاء عن
عثمان أنّه إنّما فعل ذلك بعد أن استشار الصحابة ، فأخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح
من طريق سويد بن غفلة قال : قال علي : لا تقولوا في عثمان إلاّ خيراً ، فو الله ما
فعل الذي فعل في المصاحف إلاّ عن ملأٍ منّا ، قال : ما تقولون في هذه القراءة فقد
بلغني أنّ بعضهم يقول : إنّ قراءتي خير من قراءتك وهذا يكاد يكون كفرأ ، فما ترى ؟
قال : أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد ، فلا يكون فرقة ولا اختلاف ، قلنا : فنعم
ما رأيت » (1) .
____________
(1) فتح
الباري 9 : 15 .
(2) لابن الانباري كتاب بهذا الإسم .
===============
( 192
)
فعن ابن عمر أنّه قال : « ... ما يدريه ما كلّه ؟ قد ذهب منه قرآن كثير » (1)
.
وعن عبدالله بن مسعود : « أنّه كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف » (2)
.
وعنه : « لو ملكت كما ملكوا لصنعت بمصحفهم مثل الذي صنعوا بمصحفي » (3)
.
وعن ابن عباس في قوله تعالى : ( حتى
تستأنسوا وتسلّموا ) (4) : « إنّما هي خطأ من الكاتب ،
حتى تستأذنوا وتسلّموا » (5) .
وعنه في قوله تعالى : ( أفلم ييأس الذين
آمنوا أن لو يشاء الله ... ) (6) : « أظنّ الكاتب
كتبها وهو ناعس » (7) .
وعنه في قوله تعالى : ( وقضى ربك ... )
(8) : « إلتزقت الواو بالصاد وأنتم تقرأونها : وقضى ربك ... » (9)
.
وعنه في قوله تعالى : ( ولقد آتينا موسى
وهارون الفرقان وضياء ... ) (10) : « خذوا هذا الواو
واجعلوها هاهنا : ( والذين قال لهم الناس
____________
(1)
الدّر المنثور ، الاتقان 2 : 41 .
(2) فتح الباري 9 : 16 .
(3) محاضرات الراغب .
(4) سورة النور : 27 .
(5) الإتقان في علوم القرآن 1 : 316 .
(6) سورة الرعد : 31 .
(7) الإتقان في علوم القرآن 1 : 316 .
(8) سورة الإسراء 18 : 23 .
(9) الإتقان في علوم القرآن .
(10) سورة الأنبياء 21 : 48 .
===============
( 193
)
إنّ الناس قد جمعوا لكم ... ) (1)
.
وعن عائشة بعد ذكر آية : « قبل أن يغيّر عثمان المصاحف » (2) .
وعنها في قوله تعالى : ( إنّ هذان
لساحران ) وقوله : ( إنّ الذين
آمنوا ... والصّابئون ... ) قالت : « هذا إسناد صحيح على شرط
الشيخين » (3) .
وعنها في قوله تعالى : ( والذين يؤتون
ما آتوا ... ) (4) : « كذلك انزلت ولكن الهجاء حرّف » (5)
.
وعنها وعن أبان بن عثمان في قوله تعالى : ( والمقيمين الصلاة ) (6) : « هو غلط من الكاتب
» (7) .
وعن مجاهد والربيع في قوله تعالى : ( وإذا
أخذ الله ميثاق النبيين ... ) (8) : « هي خطأ من
الكاتب » قال الحافظ السيوطي : « أخرج عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن
المنذر ، عن مجاهد في قوله تعالى : ( وإذ أخذ
الله ميثاق النبيّين لما آتيتكم من كتاب رحمة ) قال : هي خطأ من
الكتاب وهي قراءة ابن مسعود : ميثاق الذين اوتوا الكتاب ، وأخرج ابن جرير عن
الربيع أنّه قرأ : وإذ
____________
(1)
الإتقان في علوم القرآن .
(2) الإتقان في علوم القرآن 3 : 182 .
(3) الإتقان في علوم القرآن .
(4) سورة المؤمنون 23 : 60 .
(5) الإتقان في علوم القرآن .
(6) سورة النساء 4 : 162 .
(7) معالم التنزيل .
(8) سورة آل عمران 3 : 81 .
===============
( 194
)
أخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب . قال : وكذلك كان يقرؤها اُبيّ بن كعب » (1)
.
وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى : ( والمقيمين
الصّلاة ) : « هو لحن من الكاتب » (2) .
وقال الفخر الرازي في قوله تعالى : (
إنّ هذان لساحران ) (3) : « القراءة المشهورة ( إنّ هذان لساحران ) ، ومنهم من ترك هذه
القراءة وذكروا وجوهاً ، أحدها : قرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر : إنّ هذين لساحران .
قالوا : وهي قراءة عثمان وعائشة وابن الزبير وسعيد بن جبير والحسن ، وروي عن عثمان
أنّه نظر في المصحف ، فقال : أرى فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها » (4)
.
فالعجيب جداً طعن عثمان نفسه في هذا المصحف .
وفي رواية البغوي قال عثمان : « إنّ في المصحف لحناً وستقيمه العرب
بألسنتها ، فقيل له : ألا تغيّره ! فقال : دعوه فإنّه لا يحلّ حراماً وال يحرّم
حلالاً » (5) .
وفي الإتقان عن عثمان أنّه قال : « لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل
لم توجد فيه هذه الحروف » (6) .
____________
(1) الدر
المنثور 2 : 47 .
(2) الإتقان في علوم القرآن .
(3) سورة طه : 63 .
(4) التفسير الكبير 22 : 74 .
(5) معالم التنزيل .
(6) الإتقان في علوم القرآن .