الباب الثاني
|
وفيه فصول :
|
===============
( 152
)
===============
( 153
)
وإنّ المعروف من مذهب أهل السنّة هو نفي التحريف عن
القرآن الشريف ، وبذلك صرّحوا في تفاسيرهم وكتبهم في علوم القرآن والعقائد ، ولا
حاجة إلى نقل خصوص كلماتهم .
لكنّ الواقع : إن أحاديث نقصان القرآن الكريم في كتبهم كثيرة في العدد ،
صحيحة في الإسناد ، واضحة الدلالة .
أمّا الكثرة في العدد ـ والتي اعترف بها بعضهم أيضاً كالآلوسي ـ فلأنها بها
ولا نأبه بها من حيث هي مطلقاً ، وإنما المشكلة في صحة هذه الأحاديث ووضوحها في
الدلالة ، حتى لو كانت قليلة .
وذلك : لأنها مخرّجة في الكتب الستّة المعروفة بـ ( الصحاح ) عندهم ، والتي
ذهب جمهورهم إلى أنّ جميع ما اخرج فيها مقطوع بصدوره عن النبي الأكرم صلّى الله
عليه وآله وسلّم ، لا سيمّا كتابي البخاري ومسلم بن الحجّاج النيسابوري ، هذين
الكتابين الملقّبين بـ « الصحيحين » والمبرّأين عندهم من كلّ شين ، فهي في هذه
الكتب ، وفي كتبٍ أخرى تليها في الإعتبار والعظمة يطلقون عليها اسمها « الصحيح »
واخرى يسمّونها بـ « المسانيد » .
===============
( 154
)
===============
( 155
)
===============
( 156
)
===============
( 157
)
قد ذكرنا أنّ المعروف من مذهب أهل السنّة هو موافقة الشيعة الإثني عشرية في
القول بصيانة القرآن الكريم من التحريف ، فيكون هذا القول هو المتّفق عليه بين
المسلمين .
بل نقل ابن حجر العسقلاني ـ وهو من كبار حفّاظ أهل السنّة ومن أشهر علمائهم
المحقّقين في مختلف العلوم ـ أنّ الشريف المرتضى الموسوي ـ وهو أحد أعاظم علماء
الشيعة وأئمّتهم في مختلف العلوم كذلك ـ كان يكفّر من يقول بنقصان القرآن .
وإذا كان المعروف من مذهب أهل السنّة ذلك ، فمن اللازم أن يكونوا قد
تأوّلوا أو أعرضوا عمّا جاء في كتبهم من الأحاديث الصريحة بوقوع التحريف وغيره من
وجوه الإختلاف في القرآن الكريم ، عن جماعة كبيرة من أعيان الصحابة وكبار التابعين
ومشاهير العلماء والمحدّثين .
والواقع أنّ تلك الأحاديث موجودة في أهمّ أسفار القوم ، وإن شقّ الإعتراف
بذلك على بعض كتّابهم ، وهي كثيرة ـ كما اعترف الآلوسي (1) ـ وليست
بقليلة كما وصفها الرافعي (2) .
هذا مضافاً إلى ما دلّ على وقوع الخطأ واللحن في القرآن ، والزيادة فيه ،
وتبديل لفظ منه لفظ آخر .
____________
(1) روح
المعاني 1 : 25 .
(2) إعجاز القرآن : 44 .
===============
( 158
)
ولنذكر نماذج ممّا رووه عن الصحابة في الزيادة والتبديل ، ثمّ ما رووه عنهم
في النقيصة ـ وهو موضوع هذا الفصل ـ ثم طرفاً مما نقل عن الصحابة من كلماتهم
وأقوالهم في وقوع الخطأ واللحن في القرآن .
الزيادة في القرآن
فمن الزيادة في القرآن ـ في السور ـ ما اشتهر عن عبدالله بن مسعود وأتباعه
من زيادة المعوّذتين ، فقد روى أحمد وغيره عن عبد الرحمن بن يزيد : « كان عبد الله
يحكّ المعوّذتين من مصافحه ، ويقول : إنّهما ليستا من كتاب الله تعالى » (1)
وفي الإتقان : قال ابن حجر في شرح البخاري : « قد صحّ عن ابن مسعود إنكار ذلك » (2)
.
ومن الزيادة ـ في ألفاظه ـ : ما رووه عن أبي الدرداء من زيادة « ما خلق »
في قوله تعالى : ( وما خلق الذكر والانثى )
(3) ففي البخاري بسنده عن علقمة : « دخلت في نفر من أصحاب عبدالله
الشام ، فسمع بنا أبو الدرداء فأتانا فقال : أفيكم من يقرأ ؟ فقلنا : نعم . قال :
فأيّكم أقرأ ؟ فأشاروا إليّ فقال : إقرأ ، فقرأت : والليل إذا يغشى والنهار إذا
تجلّى والذكر والانثى . فقال : أنت سمعتها من فيّ صاحبك ؟ قلت : نعم . قال : وأنا
سمعتها من فيّ النبي وهؤلاء يأبون علينا » (4) .
____________
(1) مسند
أحمد 5 : 129 .
(2) الإتقال في علوم القرآن 1 : 271 .
(3) سورة الليل : 3 .
(4) صحيح البخاري 6 : 210 .
===============
( 159
)
وفي رواية مسلم والترمذي : « أنا والله هكذا سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقرؤها ، وهؤلاء
يريدونني أن أقرأها : وما خلق ، فلا أتابعهم » (1) .
التبديل في الألفاظ
ومن التغيير والتبديل في ألفاظ القرآن ما رووه عن ابن مسعود أنّه قد غيّر «
إنّي أنا الرزّاق ذو القوّة المتين » إلى : ( إنّ
الله هو الرزّق ... ) (2) ففي مسند أحمد وصحيح الترمذي
، بسندهما عنه ، قال « أقرأني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : « إنّي أنا الرزّاق ذوالقوة المتين » قال الترمذي : « هذا حديث حسن صحيح
» (3) .
وما رووه عن عمر أنّه كان يقرأ : « فامضوا إلى ذكر الله » بدل ( فاسعوا ... ) ففي الدرّ المنثور عن عدّة من
الحفّاظ والأئمة أنّهم رووا عن خرشة بن الحرّ ، قال : « رأى معي عمر بن الخطّاب
لوحاً مكتوباً فيه : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله (4)
فقال : من أملى عليك هذا ؟ قلت : اُبيّ بن كعب ، قال : إنّ ابيّاً أقرؤنا للمنسوخ
، إقرأها : فامضوا إلى ذكر الله ... » (5) .
____________
(1) صحيح
الترمذي 5 : 191 ، صحيح مسلم 1 : 565 .
(2) سورة الذاريات : 58 .
(3) مسند أحمد 1 : 394 ، صحيح الترمذي 5 : 191 .
(4) سورة الجمعة : 9 .
(5) الدرّ المنثور 6 : 219 .
===============
( 160
)
وأحاديث نقصان القرآن منها ما يتعلّق بالسور ، ومنها ما يتعلّق بالآيات
وأجزائها ، فمن القسم الأول :
الأحاديث الواردة حول نقصان سورة الأحزاب ، ومنها :
1 ـ ما رواه الحافظ السيوطي ، بقوله : « أخرج عبد الرزاق في المصنّف ،
والطيالسي ، وسعيد بن منصور ، وعبدالله بن أحمد في زوائد المسند ، وابن منيع
والنسائي ، والدار قطني في الأفراد ، وابن المنذر ، وابن الأنباري في المصاحف ،
والحاكم ـ وصحّحه ـ وابن مردويه ، والضياء في المختارة : عن زرّ ، قال : قال لي
اُبيّ بن كعب : كيف تقرأ سورة الأحزاب ـ أو كم تعدّها ـ ؟ . قلت : ثلاثاً وسبعين
آية . فقال اُبي : قد رأيتها وإنّها لتعادل سورة البقرة وأكثر من سورة البقرة ،
ولقد قرأنا فيها : « الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتّة نكالاً من الله
والله عزيز حكيم » فرفع منها ما رفع » (1) .
وروى المتقي عن زر بن حبيش أيضاً ، قال : « قال اُبيّ بن كعب : يا زر :
كأيّن تقرأ سورة الأحزاب ؟ قلت : ثلاث وسبعين آية . قال : إن كانت لتضاهي سورة
البقرة أو هي أطول من سورة البقرة ... » (2) .
____________
(1) الدرّ
المنثور 5 : 179 .
(2) كنز العمّال 2 : 567 .
===============
( 161
)
2 ـ ما رواه الحافظ السيوطي عن عائشة ، أنّها قالت : « كانت سورة الأحزاب
تقرأ في زمن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مائتي آية ، فلمّا كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلاّ على ما هو الآن » (1)
.
3 ـ ما رواه الحافظ السيوطي عن البخاري في تأريخه عن حذيفة قال : « قرأت
سورة الأحزاب على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فنسيت منها سبعين آية ما وجدتها » (2) .
ويفيد الحديث الأول المنقول عن اُبيّ بن كعب أنّه كان يرى أنّ الآيات غير
الموجودة من سورة الأحزاب ـ ومنها آية الرجم ـ كانت ممّا أنزله الله سبحانه على
نبيّه ، ومن القرآن حقيقة ، وأنّها كانت تقرء كذلك على عهد رسول الله صلّى الله
عليه وآله وسلّم حتى « رفع منها ما رفع » ، فما معنى هذا الرفع ؟ ومتى كان ؟
وأمّا الحديث الثاني المنقول عن عائشة فيتضمّن الجواب عن هذا السؤال ،
فإنّه يفيد أنّ المراد من « الرفع » هو « الإسقاط » وأنّه كان عندما كتب عثمان
المصاحف .
الأحاديث
الواردة حول نقصان سورة التوبة ، ومنها :
1 ـ ما رواه الحافظ السيوطي بقوله : « أخرج ابن أبي شيبة والطبراني في
الأوسط ، وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه ، عن حذيفة ، قال : التي تسمّون سورة
التوبة هي سورة العذاب ، والله ما تركت أحداً إلاّ نالت منه ، ولا تقرأون ممّا
____________
(1) الإتقان
في علوم القرآن 3 : 82 ، الدر المنثور 5 : 180 عن أبي عبيدة في الفضائل وابن
الأنباري وابن مردويه .
(2) الدر المنثور 5 : 180 .
===============
( 162
)
كنّا نقرأ إلاّ ربعها » (1) .
2 ـ ما رواه السيوطي أيضاً بقوله : « أخرج أبو الشيخ عن حذيفة ، قال : ما
تقرأون ثلثها » (2) .
3 ـ ما رواه السيوطي أيضاً بقوله : « أخرج أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ
وابن مردويه ، عن سعيد بن جبير ، قال : قلت لابن عباس : سورة التوبة ! قال :
التوبة ؟! بل هي الفاضحة ، ما زالت تنزل فيهم حتى ظنّنا أن لن يبقى منا أحد إلاّ
ذكر فيها » (3) .
4 ـ وروى مثله عن عمر بن الخطاب (4) .
فسورة التوبة كانت في رأي هؤلاء الأصحاب ـ وهو :
1 ـ عبدالله بن عباس .
2 ـ حذيقة بن اليمان .
3 ـ عمر بن الخطاب .
أضعاف هذا المقدار الموجود منها .
وقد روى رأي هؤلاء كبار أئمّة الحديث والحفاظ المشاهير من أهل السنّة ،
منهم :
1 ـ أبو بكر ابن أبي شيبة . صاحب المصنّف .
2 ـ الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك الصحيحين .
3 ـ أبو القاسم الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة : الكبير والأوسط
____________
(1) الدرّ
المنثور 3 : 208 .
(2) الدّر المنثور 3 : 208 .
(3) الدرّ المنثور 3 : 208 .
(4) الدّر المنثور 3 : 208 .
===============
( 163
)
والصغير .
4 ـ أبو بكر ابن مردويه الأصبهاني .
5 ـ أبو بكر ابن المنذر .
الأحاديث
الواردة حول سورة كانوا يشبّهونها في الطول والشدّة بسورة براءة ، ومنها :
ما رواه مسلم في صحيحة ، والحاكم في مستدركه ، والسيوطي في الدّر المنثور
عن مسلم وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي ، عن أبي موسى الأشعري ، أنّه قال لقرّاء
أهل البصرة : « وإنّا كنّا نقرأ سورة كنا نشبّهها في الطول والشدّة ببراءة فنسيتها
غير أنّي حفظت منها : لو كان لابن آدم واديان من مال لا بتغى وادياً ثالثاً ، ولا
يملأ جوفه إلاّ التراب » (1) .
الأحاديث الواردة حول سورة كانوا يشبّهونها بإحدى المسبّحات ، ومنها :
ما رواه من ذكرنا في ذيل الحديث عن أبي موسى حول السورة السابقة ، فقد رووا
عنه أنّه قال : « وكنّا نقرأ سورة نشبّهها بإحدى المسبّحات أوّلها : سبّح لله ما
في السماوات ، فانسيتها غير أنّي حفظت منها : يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا
مالا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة » .
____________
(1) صحيح
مسلم 2 : 726 ح 1050 ، المستدرك على الصحيحين 2 : 224 ، الدر المنثور .
===============
( 164
)
حول
سورتي الخلع والحفد :
ذكر الحافظ السيوطي في ( الإتقان ) سورتين سمّاها : ( الحفد ) و ( الخلع )
وروى أنّ السورتين كانتا ثابتتين في مصحف اُبيّ بن كعب ومصحف ابن عبّاس ، وأنّ
أمير المؤمنين (عليه السلام) علّمهما عبدالله الغافقي ، وأنّ عمر بن الخطّاب قنت بهما في صلاته ، ...
وأنّ أبا موسى كان يقرؤهما (1) .
ولا أثر لهاتين السورتين في المصحف الموجود .
ومن
القسم الثاني :
ماورد حول آية « الرجم »
الحديث حول آية الرجم وسقوطها من القرآن الكريم ، أخرجه الشيعة والسنّة
معاً في كتبهم الحديثيّة ، وذكروه في كتب الفقه في أبواب الحدود . فهو موجود في :
« الكافي » و « من لا يحضره الفقيه » و « التهذيب » و « وسائل الشيعة » من كتب
الشيعة . وفي « صحيح البخاري » و « صحيح مسلم » و « مسند أحمد » و « موطّأ مالك »
وغيرها من كتب السنّة .
لكنّ الأصل في القضية هو ( عمر بن الخطاب ) ومن قال بمقالته من الصحابة ،
ولذا حمل السيد الخوئي ما ورد من طرق الشيعة منه على التقية (2) .
ويشهد بذلك ما روي في كتب الفريقين عن أمير المؤمنين (عليه
السلام) ، أنّه
____________
(1) الإتقان
في علوم القرآن 1 : 226 .
(2) مباني تكملة المنهاج 1 : 196 .
===============
( 165
)
لمّا جلد شراحة الهمدانيّة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة قال : حددتها بكتاب الله
ورجمتها بسنّة رسول الله عليه وآله وسلّم » (1) . فلو كان (عليه
السلام) يرى أن الرجم من القرآن كما رأى عمر لم يقل كذلك .
فالأمر من طرف الشيعة مفروغ منه ، وأمّا مرويّات أهل السنّة :
1 ـ فقد أخرج البخاري عن عمر بن الخطّاب أنّه قال : « إنّ الله بعث محمداً
بالحقّ ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان ممّا أنزل الله آية الرجم ، فقرأناها وعقلناها
ووعيناها ، رجم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل :
والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله .
ثم إنّا كنّا نقرأ ـ فيما نقرأ من كتاب الله ـ : أن لا ترغبوا عن آبائكم
فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن أبائكم ، أو : إنّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم ...
» (2) .
وأخرج أيضاً عنه قوله :
« إنّ الله بعث محمداً ... فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا احصن من
الرجال والنساء إذا قامت عليه البيّنة » (3) .
وأخرجه مسلم بن الحجّاج أيضاً في صحيحة (4) ، وأحمد بن حنبل ـ
إمام
____________
(1)
عوالي اللآلي 2 : 152 ، 3 : 552 وهو في مسالك الأفهام ، جواهر الكلام في شرح شرائع
الاسلام 41 : 30 وغيرها ، ورواه أحمد والبخاري والنسائي والحاكم وغيرهم كما في
مقدّمة آلاء الرحمن .
(2) صحيح البخاري 8 : 208 .
(3) صحيح البخاري 8 : 208 .
(4) صحيح مسلم 3 : 1317 .
===============
( 166
)
الحنابلة ـ في مسنده (1) .
وروى مالك بن أنس ـ إمام المالكية ـ عن سعيد بن المسيب ـ وهو من أكابر
التابعين ـ عن عمر قوله : « إيّاكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل : لا نجد
حدّين في كتاب الله ، فقد رجم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ورجمنا . والّذي نفسي بيده : لولا أن يقول الناس : زاد عمر في كتاب الله
لكتبتها ( الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتّة ) فإنّا قد قرأناها » (2) .
ورواه أيضاً أحمد بن حنبل في مسنده (3) والحافظ جلال الدين
السيوطي عن عبد الرزاق وأحمد وابن حبّان ـ وسيأتي نصّه ـ .
وقال الحافظ السيوطي أيضاً : « وقد أخرج ابن أشته في ( المصاحف ) عن الليث
بن سعد ، قال : أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد ... وأنّ عمر أتى بأية الرجم
فلم يكتبها لأنّه كان وحده » (4) .
هذا كلّه عن عمر ، والمستفاد من الأحاديث أنّه كان يعلم بكون آية الرجم من
القرآن ، إلاّ أنّه لم يكتبها لكونه وحده ، فلو شهد بها معه أحد من الصحابة لكتب ،
وبذلك صرّح الحدّثون ، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : « فلم يلحقها بنصّ
المصحف بشهادته وحده » ولو كانت منسوخة التلاوة لم يجز إلحاقها به حتى لو شهد معه
كلّ الصحابة .
2 ـ وأخرج ابن حاجة عن عائشة ، قالت : « نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير
عشراً ، ولقد كان في صحيفة تحت سريري ، فلمّا مات رسول الله ـ صلّى الله
____________
(1) مسند
أحمد 1 : 40 و 55 .
(2) الموطأ 2 : 824 | 10 .
(3) مسند أحمد 1 : 36 و 43 .
(4) الإتقان في علوم القرآن 1 : 206 .
===============
( 167
)
عليه وآله وسلّم ـ وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها » (1) .
3 ـ وأورد الحافظ جلال الدين عن أبي عبيد بسنده عن أبي امامة بن سهل : «
أنّ خالته قالت : قد أقرأنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) آية الرجم : الشيخ والشيخة فارجموهما البتّة بما قضيا من اللذّة » (2)
.
4 ـ وروى الحافظ السيوطي أيضاً عن جماعة من المحدّثين الحفّاظ عن ابي ابن
كعب : أنّه كان يعتقد بأنّ آية الرجم من القرآن حقيقة ، وقد تقدّم نصّه في ما ذكر
حول سورة الأحزاب .
نقتصر على هذه الأحاديث حول « آية الرجم » طلباً للإختصار ، وقد لوحظ فيها
أنّ جماعة من الصحابة كانوا يصرّحون بأنّهم قد قرأوا هذه الآية وعقلوها وحفظوها .
وكان أشدّهم إصراراً على ذلك : عمر بن الخطّاب ، هؤلاءهم :
1 ـ عمر بن الخطاب .
2 ـ اُبيّ بن كعب .
3 ـ عائشة بنت أبي بكر .
4 ـ خالة أبي أمامة بن سهل .
بل المفهوم من حديث عائشة : أنّ الآية كانت من القرآن حتى بعد وفاة الرسول
صلّى الله عليه وآله وسلّم ... وسيأتي مزيد كلام في ذلك .
وقد نقلنا هذه الأحاديث عن :
1 ـ صحيح البخاري .
____________
(1) السنن
لابن ماجة 1 : 625 | 1944 .
(2) الإتقان في علوم القرآن 3 : 82 .
===============
( 168
)
2 ـ صحيح مسلم .
3 ـ مسند أحمد .
4 ـ الموطّأ لمالك .
5 ـ السنن لابن ماجة .
6 ـ الإتقان في علوم القرآن للحافظ السيوطي .
حول
آية « الرغبة »
وعن جماعة من الأصحاب أنّه كان من القرآن ـ وقد اسقط فيما اسقط ـ آية : «
لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم » أو نحوه في اللّفظ ، وقد
سمّيناها بـ « آية الرغبة » :
1 ـ أخرج البخاري في ( الصحيح ) عن عمر بن الخطّاب في حديث تقدّم لفظه : «
ثم إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم
أن ترغبوا عن آبائكم أو : « إنّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم » (1) .
2 ـ وقال الحافظ السيوطي : أخرج ابن الضريس عن ابن عباس ، قال : كنا نقرأ «
لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم » أو : « إنّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم » (2)
.
3 ـ وقال الحافظ الجلال السيوطي أيضاً : « أخرج الطيالسي وأبو عبيد
والطبراني ، عن عمر بن الخطاب ، قال : كنا نقرأ فيما نقرأ « لا ترغبوا عن آبائكم
____________
(1) صحيح
البخاري 8 : 208 .
(2) الإتقان في علوم القرآن 2 : 42 .
===============
( 169
)
فإنّه كفر بكم » ثم قال لزيد بن ثابت : أكذلك يا زيد ؟ قال : نعم » (1)
.
وقد علم من هذه الأحاديث أنّ جماعة من الصحابة وهم :
1 ـ عمر بن الخطاب .
2 ـ عبدالله بن عباس .
3 ـ زيد بن ثابت .
كانوا بعتقدون أنّ « أية الرغبة » من القرآن الكريم .
وقد نقلنا هذه الأحاديث عن :
1 ـ البخاري صاحب الصحيح .
2 ـ الحافظ السيوطي عن عدّة من الفّاظ وهم :
عبدالرزاق بن همام .
أحمد بن حنبل .
أبوالقاسم الطبراني .
أبو عبيد القاسم بن سلام .
أبو عبدالله بن الضريس .
أبو الوليد الطيالسي .
إبن حبّان صاحب الصحيح .
حول آية « لو كان لابن آدم واديان »
1 ـ أخرج مسلم بن الحجّاج في ( الصحيح ) عن أبي الأسود ، عن أبيه ، قال :
____________
(1) الإتقان
في علوم القرآن 3 : 83 .
===============
( 170
)
« بعث أبو موسى الأشعري إلى قرّاء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد
قرأوا القرآن ، فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقرّاؤهم ، فاتلوه ولا يطولنّ عليكم
الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم ، وإنّا كنّا نقرأ سورة كنا نشبّهها
في الطول و الشدة بـ « براءة » فانسيتها ، غير أنّي حفظت منها : « لو كان لابن آدم
واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب » (1)
.
2 ـ وقال الحافظ جلال الدين السيوطي : « أخرج أبو عبيد وأحمد ، والطبراني
في « الأوسط » ، والبيهقي في « شعب الإيمان » ، عن أبي واقد الليثي ، فقال : كان
رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا اوحي إليه أتيناه فعلّمنا ممّا اوحي إليه ، قال : فجئت ذات يوم ، فقال
: إنّ الله يقول : « إنّا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو كان لابن
آدم وادياً من ذهب لأحبّ أن يكون إليه الثاني ، ولو كان الثاني لأحبّ أن يكون
إليهما الثالث ، ولا يملأ جوف إبن آدم إلاّ التراب ، ويتوب الله على من تاب » (2)
.
3 ـ وقال الحافظ السيوطي أيضأ : « أخرج أبو عبيد وأحمد وأبو يعلى والطبراني
، عن زيد بن أرقم ، قال : كنّا نقرأ على عهد رسول الله (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) : « لو كان لابن
آدم واديان من ذهب وفضّة لابتغى الثالث ، ولا يملأ بطن ابن آدم إلاّ التراب ،
ويتوب الله على من تاب » (3) .
4 ـ وقال الحافظ السيوطي : « أخرج أبو عبيد ، عن جابر بن عبدالله ،
____________
(1) صحيح
مسلم 2 : 726 | 1050 .
(2) الدر المنثور ، الإتقان 30 : 83 .
(3) الدر المنثور أورده باسناده عن ابن عباس 6 : 378 .
===============
( 171
)
قال : كنا نقرأ « لو أنّ لابن آدم ملء واد مالاً لأحبّ إليه إليه مثله ، ولا يملأ
جوف ابن آدم إلاّ التراب ويتوب الله على من تاب » (1) .
5 ـ وقال الحافظ المذكور أيضاً : « أخرج البزار وابن الضريس ، عن بريدة ،
قال : سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقرأ : « لو أنّ لابن آدم ... » (2) .
6 ـ وقال أيضاً : « أخرج ابن الأنباري ، عن أبي ذر ، قال : في قراءة ابيّ
بن كعب : « ابن آدم لو اعطي وادياً ... » (3) .
وقال أيضاً : « أخرج أحمد والترمذي والحاكم ـ وصحّحه ـ عن اُبيّ بن كعب :
إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال : إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن ، فقرأ : ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ) فقرأ
فيها : « ولو أنّ ابن آدم سأل وادياً من مال ... » (4) .
وروى هذا الحديث أيضاً إبن الأثير عن الترمذي (5) .
7 ـ وقال الراغب الأصبهاني في ( محاضرات الأبرار ) واثبت ابن مسعود في
مصحفه : « لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى معهما ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن
آدم إلاّ التراب ويتوب الله على من تاب » .
نكتفي بهذه الأحاديث حول هذه الآية ، وصريح الحديث الأول المخرّج في (
الصحيح ) : أنّ أبا موسى كان يحفظ سورة من القرآن الكريم بكاملها فنسيها ما
____________
(1) المصدر
نفسه .
(2) الدر المنثور 6 : 378 .
(3) المصدر نفسه .
(4) الدر المنثور 6 : 378 .
(5) جامع الاصول 2 : 500 | 972 .
===============
( 172
)
خلا الآية المذكورة .
وقد علمنا من هذا الأحاديث أنّ الصحابة التالية أسماؤهم يعتقدون بكون الآية
من القرآن الكريم ، حتى أنّ ابن مسعود أثبتها في مصحفه ، وكان اُبيّ بن كعب يقرؤها
، وقد ذكر أبو واقد أنّ النبي قد علّمه الآية هذه ، وهؤلاء الصحابة هم :
1 ـ أبو موسى الأشعري .
2 ـ أبو واقد الليثي .
3 ـ زيد بن أرقم .
4 ـ جابر بن عبدالله .
5 ـ بريدة بن الحصيب .
6 ـ ابيّ بن كعب .
7 ـ عبدالله بن مسعود .
وقد نقلنا هذه الأحاديث عن :
1 ـ مسلم بن الحجّاج صاحب الصحيح .
2 ـ إبن الأثير صاحب جامع الاصول .
3 ـ الراغب الأصبهاني صاحب المحاضرات .
4 ـ الحافظ السيوطي عن جماعة من كبار الحفّاظ ومنهم : ـ
أ ـ الحاكم أبو عبدالله النيسابوري صاحب المستدرك .
ب ـ أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي صاحب المسند .
ج ـ أحمد بن حنبل صاحب المسند وأحد الأئمة الأربعة .
د ـ أبو القاسم الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة .