===============
( 84 )
===============
( 85 )
وهناك شبهات تعرض للناظر في أحاديث الشيعة الإمامية حول القرآن الحكيم ،
فعلينا ـ بالرغم من ثبوت بطلان تلك الأحاديث المتقدّمة وأمثالها ، وعدم صلاحيتها
للإستناد إليها ، بالأدلّة المذكورة على عدم وقوع التحريف في القرآن ، وبالأجوبة
السالفة عن كل منها ـ أن نتعرض لتلك الشبهات ، ونبيّن وجه اندفاعها :
لما رأى بعض محدّثي الإمامية كثرة الأحاديث الظاهرة في تحريف القرآن ،
ووجدوا كثيراً منها في المجاميع الحديثيّة المعروفة ، عرضت لهم شبهة تواتر تلك
الأحاديث ـ ولا سيمّا الأخباريون الظاهريون ممن يرى صحّة كل حديث منسوب إلى أئمة
الهدى عليهم السلام من غير تحقيق ـ وهؤلاءهم :
1 ـ المحدّث الجزائري ، فإنّه قال في وجوه ردّه على القول بتواتر القراءات
: « الثالث : إنّ تسليم تواترها عن الوحي الإلهي ، وكون الكلّ قد نزل به الروح
الأمين ، يفضي إلى طرح الأخبار المستقيضة بل المتواترة الدالّة بصريحها على وقوع
التحريف في القرآن ، كلاماً ومادة وإعراباً » (1) .
____________
(1)
الأنوار النعمانية 2 : 357 .
===============
( 86 )
ولكن يردّه تصريح جماعة من كبار العلماء المحقّقين ـ وفيهم الأخباريون
الفطاحل ـ بأنّ أحاديث التحريف أخبار آحاد ، لا يمكن الركون إليها والإعتماد عليها
في هذه المسألة الإعتقادية .
فقد قال شيخ الطائفة : « غير أنّه رويت كثيرة من جهة الخاصّة والعامّة
بنقصان كثير من آي القرآن ، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع ، طريقها الآحاد التي
لا توجب علماً ولا عملاً ، والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها » .
وقال الشيخ المجلسي عن الشيخ المفيد : « إنّ الأخبار التي جاءت بذلك أخبار
آحاد يقطع على الله تعالى بصحتها » .
وكذا قال غيرهما من أعلام الطائفة .
على أنّ كلام هذا المحدّث نفسه يدل على أنّ دعواه تلك بعيدة كلّ البعد عما
نحن بصدده ، لأنّه يدّعي التواتر في أحاديث التحريف بمختلف معانيه كلاماً ومادة
وإعراباً .
ومن المعلوم : إنّ طائفة من الأحاديث جاءت ظاهرة في أنّ المسلمين حرّفوا
القرآن من جهة المعنى دون اللفظ ، وحملوا آياته على خلاف مراد الله تعالى ، وإن طائفة
اخرى من الأحاديث جاءت ظاهرة في وقوع التحريف في القرآن نتيجة اختلاف القراءات .
إلى غير ذلك من طوائف الأحاديث الراجعة إلى تحريف القرآن ، وتبقى الطائفة الدالّة
منها على التحريف بمعنى « نقصان القرآن » وهو موضوع بحثنا ، وقد ذكرنا نحن طائفة
من تلك الأحاديث ونبّهنا على ما فيها .
2 ـ الشيخ المجلسي في كتابه ( مرآة العقول ) فإنّه قال بعد حديث قال إنّه
===============
( 87 )
موثق :
« ولا يخفى أنّ هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن
وتغييره . وعندى أنّ الأخبار في هذا الباب متواترة معنىً ، وطرح جميعها يوجب رفع
الإعتماد على الأخبار رأساً ، بل ظنّي أنّ الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار
الإمامة ، فكيف يثبتونها بالخبر » .
ويردّه ما ذكره هو في « بحار الأنوار » وقد تقدّم نصّة .
على أنّ قوله : « وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن » غريب ،
فإنّ السيد المرتضى قال : « نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا صحتها لا يرجع بمثلها عن
المعلوم المقطوع على صحته » .
كما أنكر صحتها الطوسي شيخ الطائفة والمحدّث الكاشاني ، بل جاء في العبارة
التي نقلناها عن بحاره « إنّ الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله
تعالى بصحّتها » .
ومن قبلهم قال شيخ المحدّثين ما نصّه : « إعتقادنا أنّ القرآن الذين أنزله
الله على نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو ما بين الدفّتين وما في أيدي الناس ، ليس بأكثر من ذاك ... ومن نسب
إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب » . ولو كانت أحاديث النقيصة صحيحة
ومقبولة لما قال الصدوق ذلك كما لا يخفى .
وأما قوله : « وطرح جميعها يوجب رفع الإعتماد على الأخبار رأساً » ففيه :
إنّ قبول جميعها أيضاً يوجب رفع الإعتماد على الأحاديث رأساً ، على أنّه رحمة الله
قد حكم في أكثر الأحاديث المخرّجة في « الكافي » والمفيدة نقص القرآن إمّا بالضعف
وإمّا بالإرسال ، كما تقدّم ذلك كلّه .
ومن العجيب قوله : « بل ظنّي ... » إذ إثبات الإمامية ليس دليلة منحصراً
===============
( 88 )
بالأحاديث حتى يقال ذلك ، وكيف أنّ تلك الأحاديث لا تقصر عن أحاديث الإمامة ؟ وهل
يقصد الكثرة في الورود ؟ أو القوة في الدلالة ؟ أو الصحة في الأسانيد ؟
3 ـ المحدّث الحر العاملي ، فإنّه قال بعد أن روى حديثين عن تفسير العياشي
:
« أقول : هذه الأحاديث وأمثالها دالّة على النصّ على الأئمة عليهم السّلام
وكذا التصريح بأسمائهم ، وقد تواترت الأخبار بأنّ القرآن نقص منه كثير وسقط منه
آيات لمّا تكتب » .
ويكفي لدفع دعوى التواتر هذه نصوص العلماء ، وما تقدّم نقله عنه في الفصل
الأول .
ولعلّ قوله رحمة الله بعد ذلك : « وبعضهم يحمل تلك الأخبار عن أنّ ما نقص
وسقط كان تأويلاً نزل مع التنزيل ، وبعضهم على أنّه وحي لا قرآن » يدلّ على أنّه
لا يعتقد بوقوع التحريف في القرآن الشريف .
وكأنّه إنّما يدّعي التواتر في هذه الأحاديث للإحتجاج بها على وجود النصوص
العامة على إمامة الأئمة عليهم السّلام ، ولذا فإنّه قال : « وعلى كلّ حال ، فهو
حجّة في النصّ ، وتلك الأخبار متواترة من طريق العامة والخاصة » (1) .
والخلاصة : إنّه لا مجال لدعوى التواتر في أحاديث تحريف القرآن بهذا المعنى
المتنازع فيه .
____________
(1)
إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات 3 : 43 .
===============
( 89 )
وتفيد طائفة من أحاديث الشيعة (1) أنّ علياً أمير المؤمنين (عليه
السلام) اعتزل الناس بعد وفاة رسول الله (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) ليجمع القرآن
العظيم ، وفي حديث رواه الشيخ بن إبراهيم القمي ـ رحمة الله تعالى ـ في تفسيره :
إنّ عمله ذاك كان بأمر من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وقال : لا أرتدي حتى أجمعه ، حتى روي أنّه (عليه السلام) لم يرتد رداءه إلاّ للصلاة إلى أن فرغ من هذه المهمّة .
وأضافت تلك الأحاديث ـ ومنها الحديث الثالث من الأحاديث المتقدّمة وحديثان
رواهما الشيخ أبو منصور الطبرسي في « الإحتجاج » ـ إنّه (عليه
السلام) حمل ذاك المصحف الذي جمعه إلى الناس ، وأخبرهم بأنّه
الذي نزل من عندالله سبحانه على النبي الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، ولكنّ الناس ردوّه وأعرضوا عنه زاعمين أنّهم في غنىً عنه ، فعند ذلك قال
الإمام (عليه السلام) : إنّكم لن تروه بعد اليوم .
والذي يستنتجه الناظر في هذه الأحاديث مخالفة ما جمعه الإمام (عليه
السلام) مع القرآن الموجود ، ولو لم يكن بعض ما فيه مخالفاً
لبعض ذلك المصحف لما حمله إليهم ، ولما دعاهم إلى تلاوته والأخذ وجعله القرآن
المتّبع لدى جميع المسلمين .
____________
(1) وكذا
روايات أهل السنّة ، لاحظ : أنساب الأشراف 1 : 587 ، طبقات ابن سعد 2 : 338 ،
الإتقان في علوم القرآن 1 : 204 ، كنز العمال 2 : 588 وغيرها .
===============
( 90 )
ومن هنا تأتي الشبهة في هذا المصحف الذي بين أيدينا ، إذ لا يشك مسلم في
أعلميّة الإمام (عليه السلام) بالكتاب ودرايته بحقائقه وأسراره ودقائقه .
ولكنّ هذه الشبهة تندفع ـ بعد التسليم بصحّة هذه الأخبار ـ بما ذكره جماعة
من أنّ القرآن الكريم كان مجموعاً على عهد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، ولم يكن في عهده مبثوثاً متفرقاً هنا وهناك حتى يحتاج إلى جمع ، ويؤيد
ذلك أنّ غاية ما تدلّ عليه هذه الأحاديث هو الخالفة بين المصحفين إجمالاً ، وهي
كما يحتمل أن تكون بالزيادة والنقصان في أصل الآيات والسور المنزلة ، كذلك يحتمل
أن تكون :
أولاّ : بالإختلاف في الترتيب والتأليف
، كما يدلّ عليه الحديث في ( الإرشاد ) و ( روضة الواعظين ) وذهب إليه جماعة ، فقد
قال السيد الطباطبائي : « إنّ جمعه (عليه السلام) القرآن وحمله إليهم وعرضه عليهم لا يدلّ على مخالفة ما جمعه لما جمعوه في
شيء من الحقائق الدينيّة الأصليّة أو الفرعية ، إلاّ أن يكون في شيء من ترتيب
السور أو الآيات من السور التي نزل نجوماً ، بحيث لا يرجع إلى مخالفة في بعض
الحقائق الدينيّة .
ولو كان كذلك لعارضهم بالإحتجاج ودافع فيه ولم يقنع بمجرد إعراضهم عمّا
جمعه واستغنائهم عنه ، كما روي عنه (عليه السلام) في موارد شتى ، ولم ينقل عنه (عليه السلام) فيما روي من احتجاجاته أنّه قرأ في أمر ولايته ولا غيرها آية أو سورة تدلّ
على ذلك ، وجبّهم على إسقاطها أو تحريفها » (1) .
وثانياً : بالإختلاف بالزيادة والنقصان من
جهة الأحاديث القدسيّة ، بأن يكون مصحف الإمام (عليه السلام) مشتملاً عليها ، ومصحفهم خالياً عنها ، كما
____________
(1) الميزان
12 : 119 .
===============
( 91 )
ذهب إليه شيخ المحدّثين الصدوق حيث قال : « وقد نزل
من الوحي الذي ليس بقرآن ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغة مقدار سبع عشرة ألف آية
، وذلك قول جبرئيل (عليه السلام) للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : إنّ الله تعالى يقول لك : يا محمّد دار خلقي : ومثل قوله : عش ما شئت
فإنّك ميت ، وأحبب ما شئت فإنّك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنّك ملاقيه ، وشرف المؤمن
صلاته بالليل وعزّه كفّ الأذى عن الناس » .
قال : « ومثل هذا كثير ، كلّه وحي وليس بقرآن ولو كان قرآناً لكان مقروناً
به وموصولاً إليه غير مفصول عنه ، كما كان أمير المؤمنين (عليه
السلام) جمعه ، فلما جاء به قال : هذا كتاب ربّكم كما أنزل
على نبيّكم ، لم يزد فيه حرف ولا ينقص منه حرف ، قالوا : لا حاجة لنا فيه ، عندنا
مثل الذي عندك ، فانصرف وهو يقول : فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً ،
فبئس ما يشترون » (1) .
وثالثاً : بالإختلاف بالزيادة والنقصان من
جهة التأويل والتفسير ، بأن يكون مصحفه (عليه السلام) مشتملاً على تأويل الآيات وتفسيرها ، والمصحف الموجود خال عن ذلك ، كما
ذهب إلى ذلك جماعة .
قال الشيخ المفيد : « ولكنّ حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين (عليه
السلام) من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله ، وذلك
كان ثابتاً منزلاً ، وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز ،
وقد يسمّى تأويل القرآن قرآناً ، قال الله تعالى : ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربّ زدني
علماً ) فسمّى تأويل القرآن قرآناً ، وهذا ما ليس فيه بين
____________
(1)
الاعتقادات : 93 .
===============
( 92 )
أهل التفسير اختلاف ، وعندي أنّ هذا القول أشبه » (1) .
وقال المحدّث الكاشاني : « ولا يبعد أيضاً أن يقال : إن بعض المحذوفات كان
من قبيل التفسير والبيان ، ولم يكن من أجزاء القرآن ، فيكون التبديل من حيث المعنى
، أي : حرّفوه وغيّروه في تفسيره وتأويله ، أعني : حملوه على خلاف ما هو به ،
فمعنى قولهم عليهم السّلام : ( كذا أنزلت ) أنّ المراد به ذلك ، لا أنّها نزلت مع
هذه الزيادة في لفظها ، فحذف منها ذلك اللفظ .
وممّا يدلّ على هذا ما رواه في ( الكافي ) بإسناده عن أبي جعفر (عليه
السلام) أنّه كتب في رسالته إلى سعد الخير : وكان من نبذهم
الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده ، فهم يروونه ولا يرعونه ، والجهال يعجبهم
حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية ... الحديث .
وما رواه العامّة : إنّ علياً (عليه السلام) كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ . ومعلوم أنّ الحكم بالنسخ لا يكون إلاّ من
قبيل التفسير والبيان ، ولا يكون جزءاً من القرآن ، فيحتمل أن يكون بعض المحذوفات
أيضاً كذلك » (2) .
وإلى ذلك ذهب السيد الخوئي (3) .
وقال الزنجاني : « ويظهر من بعض الروايات إنّ علياً أمير المؤمنين (عليه
السلام) كتب القرآن وقدّم المنسوخ والناسخ . خرّج إبن أشته
في المصاحف عن ابن سيرين : إنّ علياً (عليه السلام) كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ . وإن ابن سيرين قال : تطلبت ذلك وكتبت فيه
إلى المدينة فلم أقدر عليه . وقال ابن حجر : قد ورد
____________
(1) أوائل
المقالات في المذاهب المختارات ، وكذا قال في غيره كما سيأتي عن تاريخ القرآن .
(2) الصافي 1 : 46 ، علم اليقين : 130 .
(3) البيان : 197 .
===============
( 93 )
عن علي (عليه السلام) أنّه جمع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبي (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) وخرّجه ابن أبي
داود .
وفي شرح الكافي عن كتاب سليم بن قيس الهلالي : إنّ علياً (عليه
السلام) بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لزم بيته وأقبل على القرآن يجمعه ويؤلّفه فلم يخرج من بيته حتى جمعه كلّه
، وكتب على تنزيله الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه .
ذكر الشيخ الإمام محمد بن محمد بن النعمان المفيد في كتاب الإرشاد والرسالة
السروية : إنّ علياً قدّم في مصحفه المنسوخ على الناسخ ، وكتب في تأويل بعض الآيات
وتفسيرها بالتفصيل .
يقول الشهرستاني في مقدّمة تفسيره : كان الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ
متفقين على إنّ علم القرآن مخصوص لأهل البيت عليهم السّلام إذا كانوا يسألون علي
بن أبي طالب هل خصصتم أهل البيت دوننا بشيء سوى القرآن ؟ فاستثناء القرآن بالتخصيص
دليل على إجماعهم بأنّ القرآن وعلمه وتنزيله وتأويله مخصوص بهم » (1) .
وقال بعض الأعلام من أهل السنّة : إنّ قرآن على كان يشتمل على علم كثير (2)
.
بل عن الإمام (عليه السلام) نفسه أنّه قال للزنديق : انّه أحضر الكتاب كملاً مشتملاً على التنزيل
والتأويل ، والمحكم والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ ، لم يسقط
____________
(1) تاريخ
القرآن : 25 ـ 26 .
(2) التسهيل لعلوم التنزيل 1 : 3 .
===============
( 94 )
منه حرف » (1) .
ويؤيّده : ما اشتهر من أن الذي جاءهم به كان مشتملاً على جميع ما يحتاج
إليه الناس حتى أرش الخدش (2) .
ومن الأحاديث المتقدّمة وغيرها ما يفيد : أنّ القرآن الكريم على عهد الإمام
الحجّة المهديّ المنتظر السّلام يختلف عما هو عليه الآن ، وهذا يفضي ـ بلا ريب ـ
إلى الشك في هذا القرآن الموجود .
ولكنّ هذه الشبهة أيضاً مندفعة ، لعلمنا بضعف تلك الأحاديث ، ومخالفتها
للكتاب والسنّة والإجماع .
على أنّ المستفاد من هذه الأحاديث إختلاف قراءة أهل البيت عليهم السّلام مع
القراءات المشهورة ، إلاّ إنّهم كانوا يمنعون عن تلك القراءة ، ويأمرون شيعتهم
بقراءة القرآن كما يقرأ الناس حتى يظهر المهدي (عليه السلام) (3) .
وبعد ، فليس لأصحاب الشبهة إلاّ أن يزعموا أنّ القرآن على عهده (عليه
السلام) هو نفس ما جمعه الإمام أمير المؤمنين ـ كما هو ظاهر
بعض الأحاديث ـ إذ القول بأنّه غيره قطعاً ، فالشبهة هذه إذاً مبتنية على الشبهة
السابقة ، وهي
____________
(1) الصافي
1 : 42 .
(2) بحر الفوائد 99 عن شرح الوافية .
(3) نصّ على ذلك فقهاؤنا ـ رضي الله تعالى عنهم ـ في موسوعاتهم الفقيهة في مبحث
القراءة من كتاب الصلاة ، ولهم هناك بحوث طويلة .
===============
( 95 )
مندفعة باندفاعها .
فالصحيح أنّ القرآن في عهده لا يختلف عن هذا القرآن الموجود من حيث الألفاظ
، وعلى ذلك علماؤنا ـ رضي الله عنهم ـ بل قد صرّح شارح « الكافي » بأنّه : « يظهر
القرآن بهذا الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر ويشهر به » (1) .
إنّ التحريف قد وقع في التوراة والإنجيل ، وقد ورد في الأحاديث عن النبي
الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه : « كائن في امته ما كان في الامم السالفة » بل قال المحدّث العاملي
ـ بعد أن روى طرفاً من تلك الأحاديث عن أكابر المحدّثين كالصدوق والكليني ـ «
والأحاديث في ذلك كثيرة متواترة بين الشيعة والسنّة » (2) .
وقال السيد الطباطبائي : « هي متضافرة أو متواترة » (3) .
ومقتضى المماثلة المذكورة ينبئ عن وقوع التحريف في القرآن الكريم كما وقع
في العهدين ، وهذا يوجب الشك في هذا القرآن الموجود بين المسلمين .
وقد أجاب السيد الخوئي (4) عن هذه الشبهة بوجوه نلخصها ونتكلم
عليها فيما يلي :
____________
(1) الفصول
المهمّة للسيد شرف الدين : 166 .
(2) الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة : 111 .
(3) الميزان 12 : 120 .
(4) البيان : 220 ـ 221 .
===============
( 96 )
الأول : « إنّ هذه الأحاديث أخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً ، ودعوى
التواتر فيها جزافية لا دليل عليها ، ولم يذكر من هذه الروايات شيء في الكتب
الأربعة » .
أقول : ولكنّ إنكار تواتر هذه الأحاديث لا يفيد في الشبهة .
وقوله : « لم يذكر ... » :
فيه : إنّ منها ما أخرجه الصدوق في ( من لا يحضره الفقيه ) ، فقد جاء فيه
في باب فرض الصلاة : « وقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : يكون في هذه الامة كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ، والقذة
بالقذة » (1) .
الثاني : لو سلّم تواتر هذه الأحاديث في السّند وصحّتها في الدلالة لما ثبت
بها أنّ التحريف قد وقع فيما مضى من الزمن ، فلعلّه يقع في المستقبل زيادة ونقيصة
.
أقول : ولكن تجويز وقوع ذلك سواء في الماضي أو المستقبل ، ينافي ما تقدّم
من الأدلّة القويمة والشواهد الرصينة على امتناعه ، لا سيّما وإن الله سبحانه قد
وعد وضمن حفظ القرآن إلى يوم القيامة .
الثالث : إنّ المراد بالمماثلة والمشابهة ليس من جميع الوجوه ، وإنّما
المراد بها المماثلة من بعض الوجوه .
أقول : وبهذا الجواب اكتفى السيد الطباطبائي (2) وهو الصحيح ،
فإنّ كثيراً من القضايا التي وقعت في الامم السالفة لم تقع في هذه الامة ، وبعضها
لن يقع أصلاً ، ومنها ما سيقع في المستقبل قطعاً .
____________
(1) من
لا يحضره الفقيه 1 : 203 .
(2) الميزان 12 : 120 .
===============
( 97 )
===============
( 98 )
===============
( 99 )
مقدّمات
لقد كان بحثنا حتى الآن يدور حول الأحاديث التي وردت في كتب الشيعة
الإمامية ، وهي تفيد ـ بظاهرها ـ تحريف القرآن ، بمعنى نقصانه وضياع شيء ممّا نزل
على النبي .
والآن يجدر بنا أن ننظر في الكتب التي أخرجت تلك الأحاديث فيها ، والعلماء
الذين رووها ، لنرى مدى صحّة التمسّك بهذه الأحاديث من هذه الجهة .
وقبل الخوض في البحث يجب أن ننبّه على امور :
1 ـ الرواية أعم من الإعتقاد
الأول : إنّ رواية الخبر مطلقاً أعمّ من
قبوله والإعتقاد بمضمونه ، فقد عني محدّثو الشيعة منذ القرون الاولى بجمع الروايات
الواصلة إليهم عن الأئمة ، وتبويبها وتنظيمها ، صوناً لها من الضياع والنسيان وما
شابه ذلك ، من غير نظر في متونها وأسانيدها ، ولذا تجد في روايات الواحد منهم ما
يعارض ما رواه الآخر ، بل تجد ذلك في أخبار الكتابين بل الكتاب الواحد للمؤلّف
الواحد ، وترى المحدّث يروي في كتابه الحديثي خبراً ينصّ على عدم قبول مضمونه في
كتابه الفقهي أو الإعتقادي ، لذلك فالرواية أعمّ من القبول والتصديق بالمضمون .
فلا يجوز نسبة مطلب إلى راوٍ أو محدّث بمجرد روايته أو نقله لخبر يدلّ على
ذاك المطلب ، إلاّ إذا نصّ على الإعتقاد به أو أورده في كتاب التزم بصحّة أخباره ،
===============
( 100
)
أو ذكره في كتاب صنّفه في بيان اعتقاداته أو فتاواه .
وهل يوجد عند الشيعة كتاب التزم فيه مؤلّفه بالصحّة من أوّله إلى آخره ؟
الجواب : لا ، وهذا هو الأمر :
2
ـ لا كتاب عند الشيعة صحيح كلّه
الثاني : إنّه لا يوجد كتاب واحد من بين
كتب الشيعة وصفت أحاديثه جميعها بالصحّة ، وقوبلت بالتسليم والقبول لدى الفقهاء
والمحدّثين ، ولذا نجد أنّ أحاديث الشيعة ـ وحتى الواردة في الكتب الأربعة (1)
التي عليها المدار في استنباط الأحكام الشرعية ـ قد تعرّضت لنقد علماء الرجال
وأئمّة الجرح والتعديل ، فكل خبر أجتمعت فيه شرائط الصحّة ، وتوفّرت فيه مقتضيات
القبول اخذ به ، وكلّ خبر لم يكن بتلك المثابة ، ردّ ، أياً كان مخرجه وراويه
والكتاب الذي أخرج فيه (2) .
ولنأخذ مثالاً على ذلك كتاب ( الكافي ) (3) ، الذي هو أهمّ
الكتب الأربعة وأوثقها لدى هذه الطائفة ، وهو الذي أثنى عليه العلماء والمحدّثون
والفقهاء وتلقّوه بيد الإحترام والتعظيم ، فإنّ العلماء وزّعوا أحاديثه وهي (
16199) حديثاً على أساس تصنيف الأحاديث إلى الأقسام الخمسة (4) .
____________
(1) هي :
الكافي للكليني ، من لا يحضره الفقيه للصدوق ، التهذيب والاستبصار للطوسي .
(2) مقباس الهداية في علم الرواية للمامقاني ط مع تنقيح المقال ، ثم نشره بتحقيقه
حفيده العلامة الشيخ محمد رضا .
(3) يقع في ثمانية أجزاء : إثنان منها في الاصول ، وخمسة منها في الفروع والثامن
الروضة .
(4) وهي على أقسام ، ويراجع للوقوف على تعريف كل قسم واقسامه كتب الدراية لدى
الشيعة ككتاب الدراية للشيخ الشهيد الثاني ، والوجيزة للشيخ البهائي وشروح الوجيزة
، ومقباس الهداية لشيخنا الجدّ المامقاني وغيرها .
===============
( 101
)
وقد لوحظ أنّ أكثرها عدداً الأحاديث الضعيفة (1) ، ويمكن
الإطّلاع على ذلك بمراجعة كتاب ( مرآة العقول في شرح الكافي) (2) للشيخ
المجلسي ، فإنّه شرح الكتاب المذكور على أساس النظر في أسانيده ، فعيّن الصحيح
منها والضعيف والموثّق والمرسل ، على ضوء القواعد المقرّرة لتمييز الأحاديث الصحيحة
من غيرها .
وهذا كلّه دليل على أنّ أحاديث « الكتب الأربعة » غير قطعيّة الصدور عن
النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة عليهم السّلام عند الإمامية ، إلاّ أنّه يبدو أنّ هناك جماعة
قليلة ذهبوا إلى القول بذلك ، ولكنه قول مردود :
قال المحقّق الأكبر الشيخ الأنصاري : « ذهب شرذمة من متأخري الأخباريين ـ
فيما نسب إليها ـ إلى كونها قطعيّة الصدور » .
قال : « وهذا قول لا فائدة في بيانه والجواب عنه إلاّ التحرّز عن حصول هذا
الوهم لغيرهم كما حصل لهم ، وإلاّ فمدّعي القطع لا يلزم بذكر ضعف مبنى قطعه ، وقد
كتبنا في سالف الزمان في ردّ هذا القول رسالة تعرّضنا فيها لجميع ما ذكروه وبيان
ضعفها بحسب ما أدّى إليه فهمي القاصر » (3) .
وقال شيخنا الجدّ المامقاني : « وما زعمه بعضهم من كون أخبارها ـ أي
____________
(1) المستدرك
للمحدّث النوري 3 : 541 الطبعة القديمة ، ونشرته مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث في
طبعة محقّقة .
(2) وكذا فعل المحدّث الجزائري في شرح التهذيب ، قال المحدّث النوري : « والعجب من
العلامة المجلسي وتلميذه المحدث الجزائري مع عدم اعتمادهما بهذا النمط الجديد
خصوصاً الثاني ، وشدّة إنكاره على من أخذه بنيا في شرحيهما على التهذيب والأول في
شرحه على الكافي أيضاً على ذلك فصنعا بهما ما أشار إليه في الرواشح ، ولم أجد
محملاً صحيحاً لما فعلا » المستدرك 3 : 771 .
(3) الرسائل : 67 .
===============
( 102
)
الكتب الأربعة ـ كلّها مقطوعة الصدور ، إستناداً إلى شهادات (1) سطّرها
في مقدمة الحدائق ، لا وجه له كما اوضحناه في محلّه » (2) .
وتبعهما السيد الخوئي حيث قال : « ذهب جماعة من المحدّثين إلى أنّ روايات
الكتب الأربعة قطعيّة الصدور ، وهذا القول باطل من أصله ، إذ كيف يمكن دعوى القطع
لصدور رواية رواها واحد عن واحد ، لا سيمّا وأنّ في رواة الكتب الأربعة من هو
معروف بالكذب والوضع على ما ستقف عليه قريباً وفي موارده إن شاء الله تعالى » (3)
.
ومن قبلهم قال السيد المجاهد الطباطبائي بعد كلام طويل : « وبالجملة : دعوى
قطعيّة ما في الأربعة ممّا لا ريب في فسادها » (4) .
فهذه الكلمات وغيرها صريحة في عدم قطعيّة صدور أحاديث الكتب الأربعة .
وأمّا بالنسبة إلى تاريخ تصنيف الأحاديث ، فقد حكى المحدّث البحراني عن
جماعة : إنّ أوّل من نوّع الأخبار هو ( العلاّمة) أو شيخه ( ابن طاووس ) ـ رحمهما
الله ـ وأمّا المتقدّمون فكانوا يأخذون بجميع الأخبار المدوّنة في ( الكتب الأربعة
) وغيرها من ( الاصول ) معتقدين بصحتها أجمع . وهذا ممّا دعا إلى الخلاف بين
الأخباريين والمجتهدين (5) .
وتقدم عن المحدّث النوري تعبيره عن هذا التنويع بـ « النّمط الجديد » .
____________
(1) أجاب
عنها السيد حسن الصدر في شرح الوجيزة في علم الدراية .
(2) مقباس الهداية المطبوع في آخر تنقيح المقال في علم الرجال .
(3) معجم رجال الحديث 1 : 36 .
(4) مفاتيح الاصول للسيد محمد الطباطبائي الحائري : 9 .
(5) الحدائق الناضرة 1 : 14 .
===============
( 103
)
فهذان المحدّثان وغيرهما يزعمان أنّ التنويع يختص بالمتأخرين المجتهدين ،
وأنّ قدماء الأصحاب كانوا يعتقدون بصحّة أحاديث « الاصول الأربعمائة » التي منها
الّفت « الكتب الأربعة » .
ولكنّ الظاهر أنّ هذه الدعوى لا أساس لها من الصحّة ، فقد أجاب عنها شيخنا
الجدّ ـ رحمة الله تعالى ـ بقوله : « وقد زعم القاصرين من الأخباريين اختصاص هذا
الإصطلاح بالمتأخرين الذين أوّلهم ( العلاّمة ) رحمة الله على ما حكاه جمع منهم
الشيخ البهائي رحمة الله في ( مشرق الشمسين ) أو ( ابن طاووس ) كما حكاه بعضهم ،
فأطالوا التشنيع عليهم بأنّه اجتهاد منهم وبدعة .
ولكنّ الخبير المتدبّر يرى أنّ ذلك جهل منهم وعناد ، لوجود أصل الإصلاح عند
القدماء ، ألا ترى إلى قولهم : لفلان كتاب صحيح ، وقولهم : أجمعت العصابة على
تصحيح ما يصح عن فلان ، وقول الصدوق رحمة الله : كلّ ما صحّحه شيخي فهو عندي صحيح
، وقولهم : فلان ضعيف الحديث ، ونحو ذلك .
فالصادر من المتأخرين تغيير الإصطلاح إلى ما هو أضبط وأنفع ، تسهيلاً للضبط
وتمييزاً لما المعتبر منها عن غيره » (1).
وأمّا قول المحدّث البحراني : « فأمّا المتقدّمون ... » ففيه : أنّ الأمر
ليس كذلك ، بل ربّما طعن الشيخ المفيد والشيخ الصدوق في بعض أحاديث الشيخ الكيني ،
وطعن الشيخ الطوسي في بعض أحاديث الصدوق والكليني (2) .
____________
(1) مقباس
الهداية في علم الدراية : 32 .
(2) راجع : مفاتيح الاصول ، وأوثق الوسائل ، وقد بحث صاحب هذا الكتاب الموضوع من
جميع جوانبه من ص 122 فراجعه فإنّه جدير بالملاحظة .
هذا ، وذهب السيد الخوئي في ( رجاله ) إلى
أنّ أخبار الكتب الأربعة ليست قطعية
=
===============
( 104
)
فإذا كان الأمر كذلك فيما بينهم ـ وهم أصحاب الكتب الأربعة ـ فكيف
بالمتأخرين منهم المجدّدين لفكرة تنويع الأحاديث ، والنظر في الأسانيد الواردة في
كافة الكتب .
وهذا بحث واسع متشعّب الأطراف نكتفي بهذا المقدار بمناسبة المقام ، فمن
أراد التوسّع فيه فليراجع مظانّه من كتب الدراية والرجال .
والخلاصة : إنّ المحقّقين من الإمامية يبنون على أنّ وجود أيّ حديث في أيّ
كتاب من كتب الشيعة لا يبرر بمجرّده الأخذ به والإعتقاد بصحّة مدلوله ، إذ ليس
عندهم كتاب التزم فيه مؤلّفه بالصحّة أبداً ، بحيث يستغني بذلك الباحث عن النظر في
أسانيد أحاديثه والفحص عن رجاله وما قيل فيهم من الجرح والتعديل .
وهذا بخلاف أهل السنّة ، فإنّ لهم كتباً سمّوها بـ « الصحاح » وأهمها عند
أكثرهم ( صحيح البخاري ) اعتقد جمهورهم بصحّة ما اخرج فيها ، وقالوا في كتبهم
الرجالية : من خرّج في الصحيح فقد جاز القنطرة ، كما التزم أصحابها وبعض أصحاب «
المسانيد » في كتبهم بالصحّة .
3
ـ لا تجوز نسبة معتقد صاحب الكتاب إلى الطائفة
الثالث : إنّه على فرض وجود هكذا وجود
لدى الشيعة ، فإنّه لا يجوز أن ينسب معتقد مؤلّفة إلى الطائفة كلّها ، لأنّه قد
يكون قوله بصحّة تلك الأخبار أو
____________
=
الصدور ، بل ليس صحيحاً ، وأثبت أنّ المتقدّمين من المحدّثين أيضاً كانوا يعتقدون
نفس هذا الإعتقاد بالنسبة إلى ( الاصول ) و ( الكتب الأربعة ) ، واستنتج من جميع
ذلك : أنّ أخبار هذه الكتب لابدّ من النظر في سند كل منها ، فإن توفّرت فيه شروط
الحجّية اخذ به وإلاّ فلا ، كما الشيخ المجلسي المحدّث الجزائري بالنسبة إلى (
الكافي ) و ( التهذيب ) .
===============
( 105
)
ذهابه إلى أحقّية ذاك المعتقد مبنيّاً على اسس غير صحيحة لدى غيره ، كالقول بقطعيّة
صدور أخبار الكتب الأربعة المذكورة سابقاً والمنسوب إلى مجموعة من متأخري
الأخباريين ، وهو باطل كما عرفت وستعرف ، فإنّه يستلزم القول بالتحريف ـ لوجود ما
يدلّ عليه فيها ، بعد عدم قبول حملها على بعض الوجوه ـ إذن ، لا يجوز إضافة معتقد
لأحد العلماء وإن كان في غاية الشهرة والجلالة إلى الطائفة إلاّ في حال موافقة
جمهور علماء الطائفة معه فيه ، أو قولهم بصحّة كل ما ورد في ذلك الكتاب ، كما هو
الحال عند أهل السنّة بالنسبة إلى الصحاح الستّة والصحيحين بصورة خاصّة .
4
ـ وجود الأخبار الباطلة في الكتب المعروفة
الرابع : إنّ ممّا لا ريب فيه وجود
أحاديث مزوّرة باطلة تسرّبت إلى الآثار الإسلامية بصورة عامّة ، فقد تهاون الصحابة
ـ إلاّ القليل منهم ـ في صدر الإسلام في تدوين الأحاديث النبوية ، بل قد امتنع
بعضهم من ذلك وكرهه ومنع الآخرين بالأساليب المختلفة ، لأغراض مذكورة ليس هذا موضع
إيرادها .
ثمّ لما أخذوا بالتدوين خبطوا خبط عشواء ، وخلطوا الغثّ بالسمين ، والصحيح
بالسقيم ، وأخذوا من أفواه اناس مشبوهين ، وكتبوا عن أفراد كذّابين ، حتى كثرت
الأحاديث المدسوسة والموضوعة على لسان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، الأمر الذي علماء الحديث من أهل السنّة إلى وضع كتب تمكنّوا فيها من جمع
مقدار كبير من تلك الموضوعات ، ومن ناحية اخرى ألّفوا كتباً أوردوا فيها الأحاديث
الصحيحة فحسب ، وذلك بحسب اجتهاداتهم وآرائهم في الرجال وغير ذلك .