===============
( 62 )
===============
( 63 )
قد ذكرنا في الفصل الأول شطراً من تصريحات كبار علماء الإمامية في القرون
المختلفة في أنّ القرآن الكريم الموجود بين أيدينا مصون من التحريف ، وهناك كلمات
غير هذه لم نذكره اختصاراً ، وربما تقف على تصريحات أو أسماء لجماعة آخرين منهم في
غضون البحث .
وعرفت في الفصل الثاني أدلّة الإمامية على نفي التحريف وهي :
1 ـ آيات من القرآن العظيم .
2 ـ أحاديث عن النبي والأئمة عليهم الصلاة والسلام ، وهي على أقسام .
3 ـ قول عمر بن الخطاب : حسبنا كتاب الله .
4 ـ الإجماع .
5 ـ تواتر القرآن .
6 ـ إعجاز القرآن .
7 ـ صلاة الإمامية .
8 ـ كون القرآن مجموعاً على عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .
9 ـ عناية القرآن مجموعاً على عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .
هذا ، ولم ينكر أحد من أولئك الأعلام وجود أحاديث في كتب الشيعة ، تفيد
بظاهرها سقوط شيء من القرآن ، بل نصّ بعضهم على كثرتها ـ كما توجد في كتبهم روايات
ظاهرة في الجبر والتفويض ، وفي التشبيه والتجسيم ، ونحو ذلك ـ لكنهم أعرضوا عن تلك
الأحاديث ونفوا وقوع التحريف في القرآن ، بل ذهب
===============
( 64 )
البعض منهم إلى قيام إجماع الطائفة على ذلك ، ومجرد إعراضهم عن حديثٍ يوجب سقوطه
عن درجة الإعتبار ، كما تقرّر في علم اصول الفقه .
ونحن في هذا المقام نوضّح سبب إعراضهم عن أخبار التحريف وندلّل على حصته
ونقول :
هناك في كتب الإمامية روايات ظاهرة في تحريف القرآن ، لكنّ دعوى كثرتها لا
تخلو من نظر ، لأنّ الذي يمكن قبوله كثرة ما دلّ على التحريف بالمعنى الأعم (1)
وقد جاء هذا في كلام الشيخ أبي جعفر الطوسي ، فإنّه ـ بعد أن استظهر عدم النقصان
من الروايات ـ قال : « غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان
كثير من آي القرآن ونقل شيء منه من موضع إلى موضع » .
____________
(1) يطلق
لفظ التحريف ويراد منه عدّة معان على سبيل الإشتراك :
أ ـ نقل الشيء عن موضعه وتحويله إلى غيره
.
ب ـ النقص أو الزيادة في الحروف أو في
الحركات مع حفظ القرآن وعدم ضياعه ، وإن لم يكن متميزاً في الخارج عن غيره .
ج ـ النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين مع
التحفّظ على نفس القرآن المنزل .
د ـ التحريف بالزيادة والنقصية في الآية
والسورة مع التحفّظ على القرآن المنزل .
هـ ـ التحريف بالزيادة ، بمعنى أنّ بعض
المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل .
و ـ التحريف بالنقيصة ، بمعنى أنّ المصحف
الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن المنزل .
وموضوع بحثنا هو التحريف بالمعنى الأخير ،
ونعني بالمعني الأعمّ ما يعمّ جميع المعاني المذكورة .
===============
( 65 )
وأما ما دلّ على التحريف بالمعنى الأخصّ الذي نبحث عنه وهو « النقصان » فلا
يوافق على دعوى كثرته في كتب الامامية ، ومن هنا وصفت تلك الروايات في كلمات بعض
المحقّقين كالشيخ جعفر كاشف الغطاء والشيخ محمد جواد البلاغي بالشذوذ والندرة .
وروايات الشيعة في هذا الباب يمكن تقسيمها إلى قسمين :
الأول : الرويات الضعيفة أو المرسلة أو
المقطوعة . وبكلمة جامعة : غير المعتبرة سنداً . والظاهر أنّ هذا القسم هو القسم
هو الغالب فيها ، ويتضح ذلك بملاحظة أسانيدها ، ويكفي للوقوف على حال أحاديث الشيخ
الكليني منها ـ ولعلّها هي عمدتها ـ مراجعة كتاب ( مرآة العقول ) للشيخ محمد باقر
المجلسي ، الذي هو من أهمّ كتب الحديث لدى الإماميّة ، ومن أشهر شروح « الكافي »
وأهمّها .
ومن الأعلام الذين دقّقوا النظر في أسانيد هذه الروايات ونصّوا على عدم
اعتبارها : الشيخ البلاغي في ( آلاء الرحمن ) والسيد الخوئي في ( البيان ) والسيد
الطباطبائي في ( الميزان ) . ومن المعلوم عدم جواز الإستناد إلى هكذا روايات في
أيّ مسألة من المسائل ، فكيف بمثل هذه المسألة الاصولية الإعتقادية ؟!
والثاني : الروايات الواردة عن رجال ثقات
وبأسانيد لا مجال للخدش فيها .
ولكن هذا القسم يمكن تقسيمه إلى طائفتين :
الاولى : ما يمكن حمله وتأويله على بعض الوجوه ، بحيث يرتفع التنافي بينها
وبين الروايات والأدلّة الاخرى القائمة على عدم التحريف .
والثانية : ما لا يمكن حمله وتوجيهه .
وبهذا الترتيب يتّضح لنا أنّ ما روي من جهة الشيعة بنقصان آي القرآن
===============
( 66 )
قليل جداً ، لانّ المفروض خروج الضعيف سنداً والمؤوّل دلالة عن دائرة البحث .
وأوّل ما في هذه الروايات القليلة أنّها مصادمة للضرورة ، ففي كلمات عدّة
من أئمة الإمامية دعوى الضرورة على كون القرآن مجموعاً على عهد النبّوة ، فقد قال
السيد المرتضى : « إنّ العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار
والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة ... إنّ العلم بتفصيل
القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته ، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة » (1)
.
وقال الشيخ جعفر كاشف الغطاء : « لا عبرة بالنادر ، وما ورد من أخبار النقص
تمنع البديهة من العمل بظاهرها » (2) .
وقال السيد شرف الدين العاملي : « إنّ القرآن عندنا كان مجموعاً على عهد
الوحي والنبوة ، مؤلفاً على ما هو عليه الآن ... وهذا كلّه من الامور الضرورية لدى
المحقّقين من علماء الإمامية » (3) .
وقال السيد الخوئي : « إنّ من يدّعي التحريف يخالف بداهة العقل » (4)
.
____________
(1) المسائل
الطرابلسيات ، نقلاً عن مجمع البيان للطبرسي 1 : 15 .
(2) كشف الغطاء في الفقه ، ونقله عنه شرف الدين في أجوبة المسائل : 33 .
(3) أجوبة مسائل جار الله : 30 .
(4) البيان : 27 .
===============
( 67 )
فإن نوقش في هذا ، فلا كلام في مخالفة روايات التحريف لظاهر الكتاب حيث قال
عزّ من قائل : ( إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له
لحافظون ) ليكون قدوة للامة وبرنامجاً لأعمالها ، ومستقى لأحكامها
ومعارفها ، ومعجزة خالدة . ومن المعلوم المتسالم عليه : سقوط كل حديث خالف الكتاب
وإن بلغ في الصحّة وكثرة الأسانيد ما بلغ ، وبهذا صرّحت النصوص عن النبي والأئمة
عليهم السلام ، ومن هنا أعرض علماء الإمامية الفطاحل ـ الأصوليّون والمحدّثون ـ عن
هذه الأحاديث ... قال المحدّث الكاشاني في ( الصافي ) : « إنّ خبر التحريف مخالف
لكتاب الله مكذّب له فيجب ردّه » (1) .
فإن نوقش في هذا أيضاً فقيل بأنّه استدلال مستلزم للدور ، أو قيل بأن
الضمير في « له » عائد إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، فإن هذه الروايات تطرح لما يلي :
أولاً : إنّها موافقة للعامة ، فإنّ القول بالتحريف منقول عن الذين يقتدون
بهم من مشاهير الصحابة ، وعن مشاهير أئمتهم و حفاظهم ، وأحاديثه مخرّجة في أهمّ
كتبهم وأوثق مصادرهم كما سيأتي في بابه ، وهذا وجه آخر لسقوط أخبار التحريف عند
فرض التعارض بينها وبين روايات العدم ، كما تقرّر ذلك في علم
____________
(1) تفسير الصافي 1 : 46 .
===============
( 68 )
اصول الفقه .
ثانياً : إنّها شاذة ونادرة ، والروايات
الدالّة على عدم التحريف مشهورة أو متواترة ، كما في كلمات الأعلام كالشيخ كاشف الغطاء
وغيره ، وسيأتي الجواب عن شبهة تواتر ما دلّ على التحريف ، فلا تصلح لمعارضة تلك
الروايات ، بل مقتضى القاعدة المقرّرة في علم الاصول لزوم الأخذ بما اشتهر ورفع
اليد به عن الشاذ النادر .
ثالثاً : إنّه بعد التنزّل عن كلّ ما ذكر ، فلا ريب فلا ريب في أنّ روايات التحريف
أخبار آحاد ، وقد ذهب جماعة من أعلام الإمامية إلى عدم حجّية الآحاد مطلقاً ومن
يقول بحجّيتها لا يعبأ بها في المسائل الإعتقادية ، وهذا ما نصّ عليه جماعة .
===============
( 69 )
وبعد ، فلا بأس بذكر عدد من أهمّ الروايات الموجودة في كتاب الإمامية ـ
التي ادّعى بعض العلماء ظهورها في النقصان ـ وعلى هذه فقس ما سواها .
ولا بدّ من عرض تلك الأحاديث بنصوصها ، ثم الكلام عليها بالنظر إلى
اسانيدها وفي مدى دلالتها على المدعى ، وما يترتّب عليها من شبهات ووجوه الجواب
عنها .
وأهمّ الأحاديث التي قد يستند إليها للقول بتحريف القرآن هي الأحاديث
التالية :
1 ـ عن جابر ، قال :
« سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : ما ادّعى أحد من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما أنزل إلاّ كذّاب ،
وما جمعه وحفظه كما أنزل الله تعالى إلاّ علي بن أبي طالب (عليه
السلام) والأئمّة من بعده عليهم السلام » (1) .
2 ـ عن جابر ، عن أبي جعفر (عليه السلام) إنّه قال :
« ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره وباطنه غير
الأوصياء » (2) .
3 ـ عن سالم بن سلمة ، قال :
____________
(1) الكافي
1 : 178 ، ورواه الصّفار في بصائر الدرجات : 13 .
(2) الكافي 1 : 178 ، بصائر الدرجات : 213 .
===============
( 70 )
« قرأ رجل على أبي عبدالله (عليه السلام) ـ وأنا أسمع ـ حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس ، فقال أبو
عبدالله (عليه السلام) :
مه ، كفّ عن هذه القراءة ، إقرأ كما يقرأ الناس ، حتى يقوم القائم ، فإذا
قام القائم قرأ كتاب الله تعالى على حدّه وأخرج المصحف الذي كتبه علي (عليه
السلام) .
وقال : أخرجه علي إلى الناس حين فرغ منه وكتبه ، فقال لهم : هذا كتاب الله
تعالى كما أنزله على محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وقد جمعته بين اللوحين ، فقالوا : هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن ،
لا حاجة لنا فيه . فقال : أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبداً ، إنّما كان
عليّ أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه » (1) .
4 ـ عن ميسر ، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال :
« لولا أنّه زيد في كتاب الله ونقص عنه ، ما خفي حقّنا على ذي حجا ، ولو قد
قام قائمنا فنظق صدّقه القرآن » (2) .
5 ـ عن الأصبغ بن نباتة ، قال :
« سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول : نزل القرآن أثلاثاً : ثلث فينا وفي عدوّنا ، وثلث سنن وأمثال ،
وثلث فرائض وأحكام » (3) .
وعن أبي عبدالله (عليه السلام) قال :
« إنّ القرآن نزل أربعة أرباع : ربع حلال ، وربع حرام ، وربع سنن وأحكام ،
وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم ، وفصل ما بينكم » (4) .
____________
(1)
الكافي 2 : 462 .
(2) تفسير العياشي 10 : 13 .
(3) الكافي 2 : 459 .
(4) الكافي 2 : 459 .
===============
( 71 )
وعن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال :
« نزل القرآن أربعة أرباع : ربع فينا ، وربع في عدوّنا ، وربع سنن وأمثال ،
وربع فرائض وأحكام » (1) .
6 ـ عن محمد بن سليمان ، عن بعض أصحابه ، عن أبي الحسن (عليه
السلام) ، قال :
« قلت له : جعلت فداك ، إنّا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما
نسمعها ، ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم ؟
فقال : لا ، إقرؤوا كما تعلّمتم ، فسيجيئكم من يعلّمكم » (2) .
7 ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال :
« إنّ في القرآن ما مضى وما يحدث وما هو كائن ، كانت فيه أسماء الرجال
فالقيت ، إنّما الإسم الواحد منه في وجوه لا تحصى ، يعرف ذلك الوصاة » (3)
.
8 ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال :
« لو قد قرئ القرآن كما انزل لألفينا فيه مسمّين » (4) .
9 ـ عن البزنطي ، قال : « دفع إليّ أبو الحسن (عليه السلام) مصحفاً فقال ـ وقال ـ : لا تنظر فيه ، ففتحته وقرأت فيه ( لم يكن الذين كفروا ... ) فوجدت فيه ـ فيها
ـ اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم ، قال : فبعث إليّ : إبعث إليّ
بالمصحف » (5) .
____________
(1)
الكافي 2 : 459 .
(2) الكافي 2 : 453 .
(3) تفسير العياشي 1 : 12 .
(4) تفسير العياشي 1 : 13 .
(5) الكافي 2 : 461 ، وانظر البحار 89 : 54 .
===============
( 72 )
10 ـ عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) ، قال :
« نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هكذا : ( وإن كنتم في ريب ممّا نزّلنا
على عبدنا ـ في علي ـ فأتوا
بسورة من مثله ) (1) .
11 ـ عن عبدالله بن سنان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال :
« من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب كان يوم القيامة في جوار محمد (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) وأزواجه ، ثم قال :
سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم ، يا ابن سنان : إنّ سورة
الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب ، وكانت أطول من سورة البقرة ، ولكن نقصوها
وحرّفوها » (2) .
12 ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال :
« أنزل الله في القرآن سبعة بأسمائهم ، فمحت قريش ستة وتركوا أبا لهب » (3)
.
13 ـ عن ابن نباتة قال :
« سمعت علياً (عليه السلام) يقول : كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلّمون الناس القرآن كما
انزل ، قلت : يا أمير المؤمنين أو ليس هو كما انزل ؟
فقال : لا ، محي منه سبعون من قريش بأسمائهم وأسماء أبائهم ، وما ترك أبو
لهب إلاّ للإزراء على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، لأنّه عمه » (4) .
14 ـ عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ :
____________
(1) الكافي
1 : 345 .
(2) ثواب الاعمال : 100 ، وعنه في البحار 89 : 50 .
(3) رجال الكشي 247 ، وعنه في البحار 89 : 54 .
(4) الغيبة للنعماني : 318 .
===============
( 73 )
( ومن يطع الله ورسوله ـ في
ولاية علي والأئمة من بعده ـ فقد فاز فوزاً
عظيماً ) هكذا نزلت » (1) .
15 ـ عن منخّل ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : « نزل جبرئيل على محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهذه الآية هكذا : ( يا أيا الذين
اوتوا الكتاب آمنا بما أنزلنا ـ في علي ـ نوراً مبيناً ) (2) .
16 ـ عن عبدالله بن سنان ، عن أبي عبدالله في قوله :
( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل كلمات ـ في
محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم ـ فنسي ... ) (3) .
فهذه طائفة من تلك الأحاديث ، ولنلق الأضواء عليها واحداً واحداً ، لنرى ما
قيل في الجواب عن كلّ واحد أو ما جاء فيه من تأويل .
الحديث الأول :
رواه الشيخ الكليني والشيخ الصفار ، كلاهما بسند فيه « عمرو بن أبي المقدام
» وقد اختلف علماء الرجال فيه على قولين ، كما اعترف بذلك بعضهم (4) .
الحديث الثاني :
رواه الشيخ الكليني والصفار أيضاً بسند فيه « المنخّل بن جميل الأسدي »
____________
(1) الكافي
1 : 342 .
(2) الكافي 1 : 344 .
(3) الكافي 1 : 345 .
(4) تنقيح المقال 2 : 323 .
===============
( 74 )
وقد ضعّفه أكثر علماء الرجال ، بل كلّهم ، وقالوا : إنّه فاسد العقيدة ، وإنّه
يروي الأحاديث الدالّة على الغلو في الأئمة عليهم السلام (1) .
هذا بالإضافة إلى أنّه يمكن نفسير هذا الحديث وسابقة بمعنى آخر يساعد عليه
اللفظ فيهما .
ولذا فقد قال السيد الطباطبائي في الخبرين ما نصّه :
« قوله (عليه السلام) : إنّ عنده القرآن كلّه ... إلى آخره ، الجملة وإن كانت ظاهرة في لفظ
القرآن ومشعرة بوقوع التحريف فيه ، لكنّ تقييدها بقوله : ( ظاهره وباطنه ) يفيد
أنّ المراد هو العلم بجميع القرآن من حيث معانيه الظاهرة على الفهم العادي ومعانيه
المستبطنة على الفهم العادي .
وكذا قوله في الرواية السابقة ( وما جمعه وحفظه ... إلى آخره ) حيث قيّد
الجمع بالحفظ ، فافهم » (2) .
وقد أورد السيد على بن معصوم المدني هذين الخبرين ضمن الأحاديث التي استشهد
بها على أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) والأوصياء من أبنائه ، علموا جميع ما في القرآن علماً قطعيّاً بتأييد إلهي
وإلهام رباني وتعليم نبوي ، وذكر أنّ الأحاديث في ذلك متواترة بين الفريقين ،
وعليه إجماع الفرقة الناجية ، وأنّه قد طابق العقل في ذلك النقل (3) .
وقد روى الشيخ الصفّار القمي حديثاً آخر في معنى الحديثين المذكورين هذا
نصه بسنده :
____________
(1)
تنقيح المقال 3 : 247 .
(2) حاشية الكافي 1 : 228 .
(3) شرح الصحيفة السجادية : 401 .
===============
( 75 )
« جعفر بن أحمد ، عن عبد الكريم بن عبد الرحيم ، عن محمد بن علي القرشي ،
عن محمد بن الفضيل ، عن الثمالي ، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : ما أحد من هذه الامة جمع القرآن إلاّ وصي محمّد (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) » (1) .
ولكن في سنده « محمد بن علي القرشي » (2) .
الحديث الثالث :
فإن راويه هو « سالم بن سلمة » أو « سالم بن أبي سلمة » ومراجعة واحدة لكتب
الرجال تكفي للوقوف على رأيهم في هذا الرجل . فقد ضعّفه ابن الغضائري والنجاشي
والعلاّمة الحلّي والشيخ المجلسي وغيرهم (3) . ويفيد الحديث مخالفة
القرآن الذي جمعه أمير المؤمنين (عليه السلام) مع القرآن الموجود بين أيدينا ، وسيأتي الكلام على ذلك في فصل ( الشبهات )
. كما يفيد أيضاً مخالفة القرآن الكريم على عهد سيدنا الإمام المهدي (عليه
السلام) لهذا القرآن ، وسيأتي الكلام على هذا أيضاً في الفصل
المذكور .
الحديث الرابع :
هو من رويات الشيخ العياشي في تفسيره (4) ، وقد رواه عنه الشيخ
الحرّ العاملي على النحو التالي :
« وعن ميسر ـ أي وروى العياشي عن ميسر ـ عن أبي جعفر (عليه
السلام) ، قال : لولا أنّه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي
حقّنا على ذي حجا ،
____________
(1) بصائر
الدرجات للصّفار ، وعنه في البحار89 : 48 ، وانظر مرآة العقول المجلد 2 : 535 .
(2) تنتيح المقال 3 : 151 .
(3) نفس المصدر 2 : 4 .
(4) تفسير العياشي 1 : 13 .
===============
( 76 )
ولو قد قام قائمنا قنطق صدّقه القرآن » (1) .
ويبطل هذا الحديث إجماع المسلمين كافّة على عدم وقوع الزيادة في القرآن ،
وقد ادّعى هذا الإجماع : السيد المرتضى ، وشيخ الطائفة ، والشيخ الطبرسي ، رضي
الله تعالى عنهم .
وقال سيدنا الجدّ الميلاني : « هذا ... على أنذ أحداً لم يقل بالزيادة » .
وقال السيد الخوئي في بيان معاني التحريف : « الخامس : التحريف بالزيادة ، بمعنى
أنّ بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل ، والتحريف بهذا المعنى باطل
بإجماع المسلمين ، بل هو مما علم بطلانه بالضرورة » (2) .
الحديث الخامس :
وقد صرّح الشيخ المجلسي رحمه الله بأنّه مجهول (3) .
وفي الأول من تالييه : إنّه مرسل (4) .
وفي الثاني منهما بأنّه : موثّق (5) .
وظاهر هذه الأحاديث ـ وإن أنكر جماعة كالمجلسي والفيض وشارح الكافي ـ
منافاة بعضها للبعض ، كما اعترف بذلك السيد عبدالله شبر (6) وأوضح ذلك
السيد هاشم معروف الحسني في دراساته .
____________
(1)
إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات 3 : 43 .
(2) البيان : 218 .
(3) مرآة العقول 12 : 517 .
(4) مرآة العقول 12 : 517 .
(5) نفس المصدر 12 : 517 .
(6) مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار 1 : 294 .
===============
( 77 )
الحديث السادس :
ضعّفه الشيخ المجلسي (1) ، وأوّله المحدّث الكاشاني في الوافي :
على أنّ المراد من تلك الآيات ، ما كان مأخوذاً من الوحي من قبيل التفسير وتبيين
المراد ، لا من القرآن الكريم على حقيقته ، حتى يقال إنّه يدلّ نقصان القرآن .
الحديث السابع :
هو من روايات الشيخ الصفار القمي والشيخ العياشي ، وسيأتي الكلام عن
رواياتهما ، على أنّهما روياه عن « إبراهيم بن عمر » وقد اختلفوا في تضعيفه
وتوثيقه على قولين (2) .
ومن الممكن القول : بأنّ تلك الأسماء التي القيت إنما كانت مثبتة فيه على
وجه التفسير لألفاظ القرآن ، وتبيين الغرض منها ، لا أنّها نزلت في أصل القرآن
كذلك ، كما قيل نظائره .
الحديث الثامن :
رواه الشيخ العياشي مرسلاً عن داود بن فرقد عمّن أخبره ، عنه (عليه
السلام) ، وقد يجاب عنه أيضاً بمثل ما يجاب به عن الأحاديث
الآتية .
الحديث التاسع :
رواه الشيخ الكليني عن البزنطي ، وقد قال الشيخ المجلسي : إنّه مرسل (3)
.
واعترف شارح الكافي بكونه : مرفوعاً .
وروى نحوه الشيخ الكشي عنه أيضاً (4) وسيأتي ما في رواياته .
____________
(1) مرآة
العقول 12 : 506 .
(2) تنقيح المقال 1 : 27 .
(3) مرآة العقول 12 : 521 .
(4) رجال الكشّي : 492 .
===============
( 78 )
هذا ... ولقد قال المحدّث الكاشاني بعده ما نصّه :
« لعلّ المراد أنّه وجد تلك الأسماء مكتوبة في ذلك المصحف تفسيراً للذين
كفروا وللمشركين ، مأخوذة من الوحي ، لا أنّها كانت من أجزاء القرآن ...
وكذلك كل ما ورد من هذا القبيل عليهم السلام » (1) .
الحديث العاشر :
ونظائره التي رواها الشيخان القمي والكليني وغيرهما ، من الأحاديث الدالّة
على حذف اسم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) و « آل محمد » وكلمة « الولاية » وأسماء « المنافقين » ... وغير ذلك .
ويغنينا عن النظر في أسانيد هذه الأحاديث واحداً واحداً اعتراف المحدّث
الكاشاني بعدم صحتها ، وحملها ـ على فرض الصحة ـ على أنّه بهذا المعنى نزلت ، وليس
المراد أنّها كذلك نزلت في أصل القرآن فحذف ذلك .
ثم قال ـ رحمة الله تعالى ـ : « كذلك يخطر ببالي في تأويل تلك الأخبار إن
صحت ... » (2) .
وقال السيد الخوئي :
« والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة : إنّا قد أو ضحنا فيما تقدّم أنّ بعض
التنزيل كان من قبيل التفسير للقرآن ، وليس من القرآن نفسه ، فلا بدّ من حمل هذه
الروايات على أنّ ذكر أسماء الأئمة في التنزيل من هذا القبيل ، وإذا لم يتم هذا
الحمل فلا بدّ من طرح هذه الروايات ، لمخالفتها الكتاب والسنّة والأدلّة المتقدّمة
على نفي التحريف .
____________
(1)
الوافي 2 : 273 .
(2) نفس المصدر 2 : 274 .
===============
( 79 )
وقد دلّت الأخبار المتواترة على وجوب عرض الروايات على الكتاب والسنّة ،
وإن ما خالف الكتاب منها يجب طرحه وضربه على الجدار » .
وقال أيضاً : « ومما يدلّ على أنّ اسم أمير المؤمنين (عليه
السلام) لم يذكر صريحاً في القرآن : حديث الغدير ، فإنّه
صريح في أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنّما نصب علياً بأمر الله ، وبعد أن ورد عليه التأكيد في ذلك وبعد أن
وعده الله بالعصمة من الناس ، ولو كان اسم « علي » مذكوراً في القرآن لم يحتج إلى
ذلك النصب ، ولا إلى تهيئة ذلك الاجتماع الحافل بالمسلمين ، ولما خشي رسول الله (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) من إظهار ذلك ،
ليحتاج إلى التأكيد في أمر التبليغ » .
وقال بالنسبة إلى هذا الحديث بالذات :
« على أنّ الرواية الآخيرة المرويّة في الكافي مما لا يحتمل صدقه في نفسه ،
فإنّ ذكر اسم على (عليه السلام) في مقام إثبات النبوّة والتحدي على الإتيان بمثل القرآن لا يناسب مقتضى
الحال » .
قال : « ويعارض جميع هذه الروايات صحيحة أبي بصير المروية في الكافي ، قال
: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله : ( أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول وأولي الأمر منكم ) .
قال : فقال : نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام .
فقلت له : إنّ الناس يقولون لهم : إنّ رسول الله (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) نزلت عليه الصلاة
ولم يسّم لهم ثلاثاً ولا أربعاً ، حتى كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فسّر لهم ذلك .
فتكون هذه الصحيحة حاكمة على جميع تلك الروايات ، وموضّحة للمراد
===============
( 80 )
منها » (1) .
هذا ، وقد تقدّم عن الشيخ البهائي قوله :
« وما اشتهر بين الناس من إسقاط اسم أمير المؤمنين (عليه
السلام) منه في بعض المواضع ، مثل تعالى : ( يا ايّها الذين الرسول بلّغ ما انزل إليك ـ
في علي ـ ) وغير ذلك فهو غير معتبر عند العلماء » (2) .
الحديث الحادي عشر :
فيجاب عنه ـ بعد غضّ النظر عن سنده ـ بأنّ الشيخ الطبرسي رحمة الله وغيره
رووه عن ابن سنان بدون زيادة « ثم قال ... » (3) .
على أنّ نفس هذا الحديث ، وكذا الحديثان الآخران (4) عن رسول
الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دليل على أنّ سورة الأحزاب كانت مدوّنة على عهده (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) .
كما يجاب عنه ـ إن صح ـ بما اجيب عن نظائره فيما تقدّم .
ولنا أن نطالب ـ بعد ذلك كلّه ـ من يصحّح هذا الحديث ويعتمد عليه ، أن يثبت
لنا أن ذهبت هذه الكثرة من الآيات ؟ وأن يذكر كيفيّة سقوطها ـ أو إسقاطها ـ من دون
أن يعلم سائر المسلمين ؟
ألم تكن الدواعي متوفّرة على أخذ القرآن وتعلّمه كلّما نزل من السماء ؟ ألم
____________
(1) البيان
178 ـ 179 .
(2) نقله عنه في آلاء الرحمن : 26 .
(3) مجمع البيان 4 : 334 .
(4) مجمع البيان ، ورواه أهل السنة في كتبهم المعتبرة . انظر منها الدر المنثور 5
: 179 عن جملة من كتب الحديث .
===============
( 81 )
تكن السورة تنتشر بمجرد نزولها بأمر النبي (1) (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) بين المسلمين وتقرأ
في بيوتهم ؟
الحديث الثاني عشر :
من روايات الشيخ الكشي ، وسيأتي الكلام عنها بصورة عامة .
الحديث الثالث عشر :
سنده غير قويّ كما يتّصح ذلك لمن راجعه ، ثمّ إنّ الشيخ النعماني نفسه قد
روى حديثين آخرين :
أحدهما : عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً ، قال : « كأنّي أنظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة ، وقد ضربوا الفساطيط
يعلّمون الناس القرآن كما أنزل » (2) .
والثاني منهما : عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) ، قال : « كأنّي بشيعة علي في أيديهم المثاني يعلّمون القرآن » (3)
.
وهذان الحديثان يعارضان الحديث المذكور .
وأوضح من ذلك قول الإمام الباقر (عليه السلام) : « إذا قام القائم من آل محمد ضرب فساطيط لمن يعلّم الناس القرآن على
أنزله الله عزّ وجلّ ، فاصعب ما يكون على من حفظه اليوم ، لأنّه يخالف فيه التأليف
» (4) .
وليتأمّل في قوله (عليه السلام) : « لأنّه يخالف فيه التأليف » فإنّه يفيد فيما
____________
(1) نصّ
على هذا أكابر الطائفة ، منهم العلامة الحلّي في كتابة نهاية الوصول ، وقد تقدمت
عبارته في الفصل الثاني من الكتاب .
(2) الغيبة للنعماني : 317 .
(3) الغيبة للنعماني : 318 .
(4) روضة الواعظين : 265 ، الإرشاد للشيخ المفيد : 365 .
===============
( 82 )
سيأتي .
أمّا الأحاديث المتبقية ـ 14 ، 15 ، 16 ـ فقد ضعّفها الشيخ المجلسي جميعها (1)
، بالإضافة إلى أنّه يجاب عنها بما يجاب عن نظائرها .
____________
(1) مرآة
العقول 5 : 14 ، 29 .