التحقيق في نفي التّحريف
الباب الأوّل
|
وفيه فصول :
|
( 12 )
( 13 )
===============
( 14 )
===============
( 15 )
من الواضح أنّه لا يجوز
إسناد عقيدة أو قول إلى طائفة من الطوائف إلاّ على ضوء كلمات أكابر علماء تلك
الطائفة ، وبالإعتماد على مصادرها المعتبرة .
ولقد تعرض علماء الشيعة
منذ القرن الثالث إلى يومنا الحاضر لموضوع نفي التحريف في كتبهم في عدة من العلوم
، ففي كتب الإعتقادات يتطرقون إليه حيثما يذكرون الإعتقاد في القران الكريم ، وفي
كتب الحديث حيث يعالجون الأحاديث الموهمة للتحريف بالنظر في أسانيدها ومداليلها ،
وفي بحوث الصلاة من كتب الفقه في أحكام القراءة ، وفي مسألة وجوب قراءة سورة كاملة
من القرآن في الصلاة بعد قراءة سورة الحمد ، وغيرها من المسائل ، وفي كتب اصول
الفقه حيث يبحثون عن حجّيّة ظواهر الفاظ الكتاب .
وهم في جميع هذه المواضع
ينصّون على عدم نقصان القرآن الكريم ، وفيهم من يصرح بأنّ من نسب إلى الشيعة أنّهم
يقولون بأنّ القرآن أكثر من هذا الموجود بين الدفّتين فهو كاذب ، وفيهم من يقول
بأنّ عليه إجماع علماء الشيعة بل المسلمين ، وفيهم من يستدلّ على النفي بوجوه من
الكتاب والسنّة وغيرهما ، بل لقد أفرد بعضهم هذا المواضع بتأليف خاص .
وعلى الجملة ، فإنّ
الشيعة الإمامية تعتقد بعدم تحريف القرآن ، وأنّ الكتاب الموجود بين أيدينا هو
جميع ما أنزله الله عزّ وجلّ على نبيّنا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من دون أيّ زيادة أو
نقصان .
هذه عقيدة الشيعة في ماضيهم
وحاضرهم ، كما جاء التصريح به في كلمات
===============
( 16 )
كبار علمائها ومشاهير مؤلفيها ، منذ أكثر من ألف عام حتى العصر الأخير .
* يقول
الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي ، الملقّب بالصدوق ـ المتوفّى سنة 381 ـ : «
إعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله على نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو ما بين الدفّتين ،
وهو ما في أيدي الناس ، ليس باكثر من ذلك ، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشر
سورة ، وعندنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة ، ولإيلاف وألم تر كيف سورة واحدة .
ومن نسب إلينا أنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب . وما روي ـ من ثواب قراءة كلّ
سورة من القرآن ، وثواب من ختم القرآن كلّه ، وجواز قراءة سورتين في ركعة والنهي
عن القران بين سورتين في ركعة فريضة ـ تصديق لما في قلناه في أمر القرآن ، وأن
مبلغه ما في أيدي الناس . وكذلك ما روي من النهي عن قراءة القرآن كله في ليلة
واحدة ، وأنه لا يجوز أن يختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام تصديق لما قلناه أيضاً
.
بل تقول : إنه قدر نزل من
الوحي الذي ليس من القرآن ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغه مقدار سبع عشرة ألف آية
، وذلك مثل ... كلّه وحي ليس بقرآن ، ولو كان قرآناً لكان مقروناً به وموصولاً إليه
غير مفصول عنه كما قال أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام لمّا جمعه ، فلما جاء به
فقال لهم : هذه كتاب الله ربكم كما أنزل على نبيكم لم يزد فيه حرف ولم ينقص منه
حرف فقالوا : لا حاجة لنا فيه ، عندنا مثل الذي عندك ، فانصرف وهو يقول : فنبذوه
وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون . وقال الصادق عليه السلام :
القرآن واحد ، نزل من عند واحد ، على نبي واحد ، وإنما الإختلاف من جهة الرواة ...
» (1) .
____________
(1) رسالة الإعتقادات ، المطبوعة مع
شرح الباب الحادي عشر ص 93 .
===============
( 17 )
* ويقول
الشيخ محمد بن محمد بن النعمان ، الملقّب بالمفيد ، البغدادي ـ المتوفّى سنة 413 ـ
: « وقد قال جماعة من أهل الإمامة : إنه لم ينقص من كلمة ، ولا من آية ، ولا من
سورة ، ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين (عليه السّلام) من تأويله ، وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله ،
وذلك كان ثابتاً منزلاً وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز
.
وعندي أنّ هذا القول أشبه
من مقال من ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل ، وإليه أميل ،
والله أسأل توفيقه للصواب » (1) .
* ويقول
الشريف المرتضى على بن الحسين الموسوي ، الملقّب بعلم الهدى ـ المتوفّى سنة 436 ـ
: « إنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبدان ، والحوادث الكبار ، والوقائع
الوقائع العظام ، والكتب المشهورة ، واشعار العرب المسطورة ، فإنّ العناية اشتدّت
والدواعي توفّرت على نقله وحراسته ، وبلغت إلى حدّ لم يبلغه في ما ذكرناه ، لأنّ
القرآن معجزة النبوّة ، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينيّة ، وعلماء المسلمين
قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية ، حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته
وحروفه وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط
الشديد ؟! » .
وقال : « إنّ العلم
بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته ، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورةً
من الكتب المصنّفة ككتابي سيبويه والمزني ، فإنّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من
تفصيلها ما يعلمونه من جملتها ، حتى لو أنّ مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً في
النحو ليس من الكتاب لعرف وميزّ ، وعلم أنّه ملحق وليس في أصل الكتاب ، وكذلك
القول في كتاب المزني ، ومعلوم
____________
(1) أوائل المقالات في المذاهب
المختارات : 55 ـ 56 .
===============
( 18 )
أن العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء »
.
وقال : « إنّ القرآن كان
على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مجموعاً مؤلّفاً على
ما هو عليه الآن ... » .
« واستدلّ على ذلك بأنّ
القرآن كان يدرّس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان ، حتى عيّن على جماعة من الصحابة في
حفظهم له ، وأنّه كان يعرض على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويتلى عليه ، وأنّ جماعة
من الصحابة مثل عبدالله بن مسعود واُبيّ بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عدّة ختمات
.
كل ذلك يدلّ بأدنى تأمّل
على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتورٍ ولا مبثوت » .
« وذكر أنّ من خالف في
ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتدّ بخلافهم ، فإنّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من
أصحاب الحديث ، نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا بصحّتها ، لا يرجع بمثلها عن المعلوم
المقطوع على صحّته » (1) .
ولقد عرف واشتهر هذا
الرأي عن الشريف المرتضى حتى ذكر ذلك عنه كبار علماء أهل السنّة ، وأضافوا أنّه
كان يكفّر من قال بتحريف القرآن ، فقد نقل ابن حجر العسقلاني عن ابن حزم قوله فيه
: « كان من كبار المعتزلة الدعاة ، وكان إمامياً ، لكنّه يكفّر من زعم أنّ القرآن
بدّل أو زيد فيه ، أو نقص منه ، وكذا كان صاحباه أبو القاسم الرازي أبو يعلى الطوسي
» (2) .
____________
(1) نقل هذا في مجمع البيان 1 : 15 ،
عن المسائل الطرابلسيات للسيد المرتضى .
(2) لسان الميزان 4 : 224 ، ولا يخفى ما فيه الخلط والغلط .
===============
( 19 )
* ويقول
الشيخ محمد بن الحسن أبو جعفر الطوسي ، الملقّب بشيخ الطائفة ـ المتوفّى سنة 460 ـ
في مقدّمة تفسيره : «والمقصود من هذا الكتاب علم معانيه وفنون أغراضه ، وأمّا
الكلام في زيادته ونقصانه فممّا لا يليق به أيضاً ، لأنّ الزيادة فيه مجمع على
بطلانها ، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الأليق
بالصحيح من مذهبنا ، وهو الذي نصره المرتضى ـ رحمة الله تعالى ـ وهو الظاهر من
الروايات .
غير أنّه رويت روايات
كثيرة من جهة الخاصّة والعامّة بنقصان كثير من آي القرآن ، ونقل شيء منه من موضع
إلى موضع ، طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً ، والأولى الإعراض عنها
وترك التشاغل بها لأنّه يمكن تأويلها ، ولو صحّت لما كان ذلك طعناً على ما هو
موجود بين الدفّتين ، فإنّ ذلك معلوم صحّته لا يعترضه أحد من الامّة ولا يدفعه » (1)
.
* ويقول
الشيخ الفضل بن الحسن أبو علي الطبرسي ، الملقّب بامين الإسلام ـ المتوفّى سنة 548
ـ ما نصّة : « ... ومن ذلك الكلام في زيادة القرآن ونقصانه ، فإنّه لا يليق
بالتفسير ، فأمّا الزيادة فمجمع على بطلانها ، وأمّا النقصان منه فقه روى جماعة من
أصحابنا وقوم من حشوية العامة : إنّ في القرآن تغييراً ونقصاناً ...
والصحيح من مذهب أصحابنا
خلافه ، وهو الذي نصره المرتضى ـ قدّس الله روحه ـ واستوفي الكلام فيه غاية
الإستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات » (2) .
____________
(1) التبيان في تفسير القرآن 1 : 3 .
(2) مجمع البيان 1 : 15 .
===============
( 20 )
* وهو حاصل
كلمات السيد أبي القاسم علي بن طاووس الحلّي المتوفى سنة 664 في مواضع من كتابه القيّم
( سعد السعود ) منها : أنّه ذكر عن الجبائي أنه قال في تفسيره : « محنة الرافضة
على ضعفاء المسلمين أعظم من محنة الزنادقة » ثم شرع يدّعي بيان ذلك بأن الرافضة
تدّعي نقصان القرآن وتبديله وتغييره ، قال السيد :
« فيقال له : كلّ ما
ذكرته من طعن وقدح على من يذكر أنّ القرآن وقع فيه تبديل وتغيير فهو متوجّه على
سيّدك عثمان ، لأن المسلمين أطبقوا أنه جمع الناس على هذا المصحف الشريف وحرّف
وأحرق ما عداء من المصاحف . فلولا اعتراف عثمان بأنّه وقع تبديل وتغيير من الصحابة
ما كان هناك مصحف محرّف وكانت تكون متساوية .
ويقال له : أنت مقرّ
بهؤلاء القرّاء السبعة ... فمن ترى ادّعى اختلاف القرآن وتغييره ؟ أنتم وسلفكم ،
لا الرافضة . ومن المعلوم من مذهب من تسمّيهم رافضة أن قولهم واحد في القرآن ... »
(1) .
ونصّ السيد ابن طاووس في
بحث له مع أبي القاسم البلخي حول أنّ البسملة أية من السورة أولا ـ حيث اختار
البلخي العدم ـ على أن القرآن مصون من الزيادة والنقصان كما يقتضيه العقل والشرع (2)
.
واستنكر ما روى أهل العامة
عن عثمان وعائشة من أن في القرآن لحناً وخطأً قائلاً : « ألا تعجب من قوم يتركون
مثل علي بن أبي طالب أفصح العرب بعد صاحب النبوة وأعلمهم بالقرآن والسنّة ويسألون
عائشة ؟ أما يفهم أهل
____________
(1) سعد السعود : 144 .
(2) المصدر : 192 .
===============
( 21 )
البصائر أنّ هذا المجرد الحسد أو لغرض يبعد من صواب الموارد والمصادر ... ولو ظفر
اليهود والزنادقة بمسلم يعتقد في القرآن لحناً جعلوه حجة » (1) .
* ويقول العلاّمة
الحلّي المتوفى سنة 726 في بعض أجوبته حيث سئل : « ما يقول سيدنا في الكتاب العزيز
هل يصح عند أصحابنا أنّه نقص منه شيء أو زيد فيه أو غيّر ترتيبه أو لم يصح عندهم
شيء من ذلك ؟ أفدنا أفادك الله من فضله ، وعاملك بما هو من أهله » فأجاب :
« الحق أنه لا تبديل ولا
تأخير ولا تقديم فيه ، وأنّه لم يزد ولم ينقص ، ونعوذ بالله تعالى من أن يعتقد مثل
ذلك وأمثال ذلك ، فإنه يوجب التطرق إلى معجزة الرسول عليه وآله السّلام المنقولة
بالتواتر » (2) .
وسنذكر عبارته في ( نهاية
الوصول ) أيضاً .
* ويقول
الشيخ زين الدين البياضي العاملي المتوفى سنة 877 :
« علم بالضرورة تواتر
القرآن بجملته وتفاصيله ، وكان التشديد في حفظه أتم ، حتى نازعوا في أسماء السّور
والتفسيرات . وإنما اشتغل الأكثر عن حفظه بالتفكر في معانيه وأحكامه ، ولو زيد فيه
أو نقص لعلمه كلّ عاقل وإن لم يحفظه ، لمخالفة فصاحته وأسلوبه » (3) .
* وألّف
الشيخ علي بن عبدالعالي الكركي العاملي ، الملقّب بالمحقّق الثاني ـ المتوفّى سنة
940 ـ رسالة في نفي النقيصة في القرآن الكريم ، أورد السيد محسن الأعرجي البغدادي
في كتابه ( شرح الوافية في علم الأصول ) كثيراً من عباراته
____________
(1) سعد السعود : 267 .
(2) أجوبة المسائل المهناوية : 121 .
(3) الصراط المستقيم 1 : 45 .
===============
( 22 )
فيها .
واعترض في الرسالة على
نفسه بما يدلّ على النقيصة من أخبار فأجاب : « بأنّ الحديث إذا جاء على خلاف
الدليل والسنّة المتواترة أو الإجماع ، ولم يكن تأويله ولا حمله على بعض الوجوه ،
وجب طرحه » (1) .
* وبه
صرّح الشيخ فتح الله الكاشاني ـ المتوفّى سنة 988 ـ في مقدمة تفسيره « منهج
الصادقين » ، وبتفسير الآية ( وإنّا له لحافظون ) .
* وهو
صريح السيد نور الله التستري ، المعروف بالقاضي الشهيد ـ المستشهد سنة 1019 ـ في
كتابه ( مصائب النواصب ) في الإمامة والكلام حيث قال : « ما نسب إلى الشيعة
الامامية من القول بوقوع التغيير في القرآن ليس ممّا قال به جمهور الإماميّة ،
إنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم » .
* ويقول
الشيخ محمد بن الحسين ، الشهير ببهاء الدين العاملي ـ المتوفّى سنة 1030 ـ : «
الصحيح أنّ القرآن العظيم محفوظ عن ذلك ، زيادة كان أو نقصاناً ، ويدلّ عليه قوله
تعالى : (
وإنّا له لحافظون ) . وما اشتهر بين الناس من إسقاط اسم أمير
المؤمنين (عليه
السّلام)
منه في بعض المواضع مثل قوله تعالى : ( يا أيّها الرسول بلّغ ما انزل إليك ـ في علي ـ )
وغير ذلك فهو غير معتبر عند العلماء » (2) .
* ويقول
العلاّمة التوني ـ المتوفّى سنة 1071 ـ صاحب كتاب ( الوافية في الاصول ) : «
والمشهور أنّه محفوظ ومضبوط كما انزل ، لم يتبّدل ولم يتغيّر ، حفظه
____________
(1) مباحث في علوم القرآن ـ مخطوط .
(2) آلاء الرحمن : 26 .
===============
( 23 )
الحكيم الخبير ، قال الله تعالى : ( إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون ) » (1)
.
* ويقول
الشيخ محمد محسن الشهير بالفيض الكاشاني ـ المتوفّى سنة 1019 ـ بعد الحديث عن
البزنطي ، قال : دفع إليّ أبو الحسن (عليه السّلام) مصحفاً وقال : لا تنظر فيه ، ففتحته وقرأت فيه
: ( لم يكن
الّذين كفروا ... ) فوجدت فيها اسم سبعين رجلاً ...
قال : « لعلّ المراد أنّه
وجد تلك الأسماء مكتوبة في ذلك المصحف تفسيراً للّذين كفروا والمشركين مأخوذة من
الوحي ، لا أنّها كانت من أجزاء القرآن ، وعليه يحمل ما في الخبرين السابقين ...
وكذلك كلّ ما ورد من هذا
القبيل عنهم عليهم السّلام ، فإنّه كلّه محمول على ما قلناه ، لأنّه لو كان تطرّق
التحريف والتغيير في ألفاظ القرآن لم يبق لنا اعتماد على شيء منه ، إذا على هذا
يحتمل كل آية منه أن تكون محرّفة ومغيّرة ، وتكون على خلاف ما أنزله الله ، فلا
يكون القرآن حجّة لنا ، وتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتّباعه والوصية به ، وعرض
الأخبار المتعارضة عليه » .
ثم استشهد ـ رحمة الله
تعالى ـ بكلام الشيخ الصدوق المتقدّم ، وبعض الأخبار (2) .
وقال بتفسير قوله تعالى :
( وإنّا له
لحافظون ) : « من التحريف والتغيير والزيادة والنقصان » (3)
.
* ويقول
الشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملي ـ المتوفّى سنة 1104 ـ ما
____________
(1) الوافية في الاصول : 148 .
(2) الوافي 1 : 273 ـ 274 .
(3) الأصفى في تفسير القرآن : 348 .
===============
( 24 )
تعريبه : « إنّ من تتبّع الأخبار وتفحّص التواريخ والآثار علم ـ علماً قطعيّاً ـ
بأنّ القرآن قد بلغ أعلى درجات التواتر ، وأنّ آلاف الصحابة كانوا يحفطونه ويتلونه
، وأنّه كان على عهد رسول الله عليه وآله وسلّم مجموعاً مؤلّفاً » (1)
.
* وأورد
الشيخ محمد باقر المجلسي ـ المتوفّى سنة 1111 ـ بعد أن أخرج الأحاديث الدالّة على
نقصان القرآن كلاماً للشيخ المفيد هذا نصه : « فإن قال قائل : كيف يصحّ القول بأن
الذي بين الدفّتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان وأنتم
تروون عن الأئمة عليهم السّلام أنّهم قرأوا : كنتم خير أئمّة أخرجت للناس ، وكذلك
: جعلناكم أئمّة وسطاً ، وقرأوا : ويسئلونك الأنفال ، وهذا بخلاف ما في المصحف
الذي في أيدي الناس ؟ .
قيل له : قد مضى الجواب
عن هذه ، وهو : إنّ الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله تعالى
بصحّتها ، فلذلك وقفنا فيها ولم نعدل عمّا في المصحف الظاهر على ما امرنا به حسب
ما بيّناه .
مع أنّه لا ينكر أن تأتي
القراءة على وجهين منزلتين ، أحدهما ، ما تضمّنه المصحف ، والثاني : ما جاء به
الخبر ، كما يعترف مخالفونا به من نزول القرآن على وجوه شتى ... » (2)
.
* وهو
ظاهر كلام السيد علي بن معصوم المدني الشيرازي ـ المتوفّى سنة 1118 ـ في « شرح
الصحيفة السجادية » فليراجع (3) .
* وإليه
ذهب السيد أبو القاسم جعفر الموسوي الخونساري ـ المتوفّى سنة
____________
(1) انظر : الفصول المهمة في تأليف
الامّة : 166 .
(2) بحار الأنوار 89 : 75 .
(3) رياض السالكين في شرح صحيفة سيّد العابدين ، الروضة 42 .
===============
( 25 )
1157 ـ في كتاب ( مناهج المعارف ) فليراجع .
* وقال
السيد محمد مهدي الطباطبائي ، الملقّب ببحر العلوم ـ المتوفّى سنة 1212 ـ ما نصّه
: « الكتاب هو القرآن الكريم والفرقان العظيم والضياء والنور والمعجز الباقي على
مرّ الدهور ، وهو الحقّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من
لدن حكيم حميد ، أنزله بلسان عربيّ مبين هدىً للمتقين وبياناً للعالمين ... ـ ثم
ذكر روايتي : القرآن أربعة أرباع ، و: القرآن ثلاثة أثلاث ، الآتيتين ، وقال ـ
والوجه حمل الأثلاث والأرباع على مطلق الأقسام والأنواع وإن اختلف في المقدار ...
» (1) .
* وقال
الشيخ الأكبر الشيخ جعفر ، المعروف بكاشف الغطاء ـ المتوفّى سنة 1228 ـ ما نصّه :
« لا ريب في أنّ القرآن محفوظ من النقصان بحفظ الملك الدّيان ، كما دلّ عليه صريح
الفرقان وإجماع العلماء في جميع الأزمان ، ولا عبرة بالنادر ، وما ورد من أخبار
النقيصة تمنع البديهة من العمل بظاهرها ، ولا سيّما ما فيه نقص ثلث القرآن أو كثير
منه ، فإنه لو كان كذلك لتواتر نقله ، لتوفّر الدواعي عليه ، ولاتّخذه غير أهل
الإسلام من أعظم المطاعن على الإسلام وأهله ، ثم كيف يكون ذلك وكانوا شديدي
المحافظة على ضبط آياته وحروفه ؟ ... فلابد من تأويلها بأحد وجوه » ... (2)
.
* وقال
السيد محسن الأعرجي الكاظمي ـ المتوفّى سنة 1228 ـ ما ملخّصه :
« وإنّما الكلام في
النقيصة ، وبالجملة ، فالخلاف إنّما يعرف صريحاً من علي
____________
(1) الفوائد في علم الاصول ، مبحث
حجية الكتاب ـ مخطوط .
(2) كشف الغطاء في الفقه ، كتاب القرآن ، 299 .
===============
( 26 )
ابن إبراهيم في تفسيره ، وتبعه على ذلك بعض المتأخرين تمسّكاً بأخبار آحاد رواها
المحدّثون على غرّها ، كما رووا أخبار الجبر والتفويض والسهو والبقاء على الجناية
ونحو ذلك » .
ثمّ ذكر أنّ القوم إنّما
ردّوا مصحف علي (عليه
السّلام)
« لما اشتمل عليه من التأويل والتفسير ، وقد كان عادة منهم أن يكتبوا التأويل مع
التنزيل ، والذي يدلّ على ذلك قوله (عليه السّلام) في جواب الثاني : ولقد جئت بالكتاب كملاً
مشتملاُ على التأويل والتنزيل ، والمحكم والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ . فإنّه
صريح في أنً الذي جاءهم به ليس تنزيلاً كلّه » (1) .
* وقال
السيد محمد الطباطبائي ـ المتوفّى سنة 1242 ـ ما ملخّصه : « لا خلاف أنّ كل ما هو
من القرآن يجب أن يكون متواتراً في أصله وأجزائه ، وأمّا في محلّه ووضعه وترتيبه ،
فكذلك عند محقّقي أهل السنّة ، للقطع بأنّ العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله ،
لأنّ هذا المعجز العظيم الذي هو أصل الدين القويم والصراط المستقيم ممّا توفّر
الدواعي على نقل جمله وتفاصيله ، فما نقل آحاداً ولم يتواتر يقطع بأنّه ليس من
القرآن قطعاً » (2) .
* وقال
الشيخ إبراهيم الكلباسي الأصبهاني ـ المتوفّى سنة 1262 : « ...إن النقصان في
الكتاب مما لا أصل له » (3) .
* وصرّح
السيد محمد الشهشهاني ـ المتوفىّ سنة 1289 ـ بعدم تحريف القرآن الكريم في بحث
القرآن من كتابه ( العروة الوثقى ) ونسب ذلك إلى جمهور
____________
(1) شرح الوافية في علم الاصول ـ
مخطوط .
(2) مفاتيح الأصول ، مبحث حجية ظواهر الكتاب .
(3) إشارات الأصول ، مبحث حجية ظواهر الكتاب .
===============
( 27 )
المجتهدين (1) .
* وصرّح السيد
حسين الكوه كمري ـ المتوفّى سنة 1299 ـ بعدم تحريف القرآن ، واستدلّ على ذلك بامور
نلخّصها فيما يلي :
1 ـ الأصل ، لكون التحريف
حادثاً مشكوكاً فيه .
2 ـ الإجماع .
3 ـ مناقاة التحريف لكون
القرآن معجزة .
4 ـ قوله تعالى : ( لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه ) .
5 ـ أخبار الثقلين .
6 ـ الاخبار الناطقة
بالأمر بالأخذ بهذا القرآن (2) .
* وإليه ذهب
الشيخ موسى التبريزي ـ المتوفّى سنة 1307 ـ في ( شرح الرسائل في علم الاصول )
واستدل له بوجوه ، ثم ذكر وجوهاً لتأويل ما دلّ بظاهره على الخلاف .
* وأثبت
عدم التحريف بالأدلّة الوافية السيد محمد حسين الشهرستاني الحائري ـ المتوفّى سنة
1315 ـ في رسالة اسمها ( رسالة في حفظ الكتاب الشريف عن شبهة القول بالتحريف ) (3)
.
* وقال
الشيخ محمد حسن الآشتياني ـ المتوفّى سنة 1319 ـ : « المشهور بين المجتهدين
والاصوليّين ـ بل أكثر المحدّثين ـ عدم وقوع التغيير مطلقاً ، بل ادّعى غير واحد
الإجماع على ذلك » (4) .
____________
(1) انظر : البيان في تفسير القرآن :
200 .
(2) انظر : بشرى الوصول إلى أسرار علم الاصول ، مبحث حجية ظواهر الكتاب .
(3) المعارف الجلية للسيد عبدالرضا الشهرستاني 1 : 21 .
(4) بحر الفوائد في حاشية الفرائد في الاصول ، مبحث حجية ظواهر الكتاب : 99 .
===============
( 28 )
* وإليه
ذهب الشيخ محمد حسن بن عبدالله المامقاني النجفي المتوفّى سنة 1323 ـ في كتابه (
بشرى الوصول إلى أسرار علم الاصول ) .
* وقال
الشيخ عبدالله ابن الشيخ محمد حسن المامقاني ـ المتوفّى سنة 1351 ـ بترجمة (
الربيع بن خثيم ) بعد كلام له : « فتحصّل من ذلك كلّه أنّ ما صدر من المحدّث
النوري رحمة الله من رمي الرجل بضعف الإيمان ونقص العقل جرأة عظيمة كجرأته على
الإصرار على تحريف كتاب الله المجيد ... » (1) .
* وقال
الشيخ محمد جواد البلاغي ـ المتوفّى سنة 1352 ـ ما نصّه : « ولئن سمعت من الروايات
الشاذّة شيئاً في تحريف القرآن وضياع بعضه ، فلا تقم لتلك الروايات وزناً ، وقل ما
يشاء العلم في اضطرابها ووهنها وضعف رواتها ومخالفتها للمسلمين ، وفيما جاءت به في
رواياتها الواهية من الوهية من الوهن وما ألصقته بكرامة القرآن مما ليس له شبه به
... » (2) .
فهذه طائفة من كلمات
أعلام الإمامية ـ في القرون المختلفة ـ الصريحة في نفي التحريف عن القرآن الشريف
...
وهو رأي آخرين منهم :
* كالشريف
الرضي ـ المتوفّى سنة 406 .
* والشيخ
ابن إدريس صاحب « السرائر في الفقه » ، المتوفّى سنة 598 .
* والفاضل
الجواد ، من علماء القرن الحادي عشر ، في « شرح الزبدة في الاصول » .
* والشيخ أبي
الحسن الخنيزي ، صاحب « الدعوة الإسلامية » المتوفّى
____________
(1) تنقيح المقال 1 : 426 .
(2) آلاء الرحمن في تفسير القرآن : 18 .
===============
( 29 )
سنة 1363 .
* والشيخ
محمد النهاوندي ، صاحب التفسير ، المتوفّى 1371 .
* والسيد
محسن الأمين العاملي ، المتوفى سنة 1371 ، في كتابه « الشيعة والمنار » .
* والشيخ
عبدالحسين الرشتي النجفي ، المتوفّى سنة 1373 ، في « كشف الإشتباه في مسائل
جارالله » .
* والشيخ
محمد حسين كاشف الغطاء ، المتوفى سنة 1373 ، في « أصل الشيعة واصولها » .
* والسيد
محمّد الكوه كمري المعروف بالحجّة ، التوفّى سنة 1372 في فتوىً له .
* والسيد
عبدالحسين شرف الدين العاملي ، المتوفّى سنة 1381 ، في « أجوبة مسائل جار الله » .
* والشيخ
آغا بزرك الطهراني ، المتوفّى سنة 1389 ، في رسالته «تفنيد قول العوام بقدم الكلام
» .
* وسيدنا
الجدّ السيد محمد هادي الميلاني ، المتوفّى سنة 1395 ، في فتوىً له .
* والسيد
محمد حسين طباطبائي ، المتوفّى سنة 1402 ، في تفسيره الشهير « الميزان في تفسير
القرآن » .
* والسيّد
روح الله الموسوي الخميني ـ قائد الثورة الإسلاميّة ـ في بحثه الاصولي « تهذيب
الاصول » في مبحث حجّية ظواهر القرآن .
* والسيد
أبوالقاسم الخوئي في كتابه « البيان في تفسير القرآن » حيث
===============
( 30 )
بحث عن هذا الموضوع من جيمع جانبه وشيّد أركانه .
* وسيدنا
الاستاذ السيد محمد رضا الگلپايگاني في فتوىً له .
* والسيد
شهاب الدين النجفي المرعشي في فتوىً له .
ولو أردنا أن ننقل كلمات
هؤلاء الأعاظم من علماء الشيعة في هذا المضمار لطال بنا المقام ، فمثلاً يقول
الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء :
« وإنّ الكتاب الموجود في
أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه للإعجاز والتحدّي ولتعليم الأحكام
وتمييز الحلال من الحرام ، وإنّه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة ، وعلى هذا
إجماعهم .
ومن ذهب منهم أو من غيرهم
من فرق المسلمين إلى موجود نقص فيه أو تحريف فهو مخطئ يردّه نصّ الكتاب العظيم ( إنّا نحن نزّلنا الذكر
وإنّا له لحافظون ) .
والأخبار الواردة من
طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذّة ، وأخبار آحاد لا تفيد
علماً ولا عملاً ، فإمّا أن تؤوّل بنحو من الإعتبار أو يضرب بها الجدار » (1)
.
ويقول
السيد شرف الدين : « المسألة الرابعة : نسب إلى الشيعة القول بتحريف القرآن بإسقاط
كلمات وآيات ...
فأقول : نعوذ بالله من
هذا القول ، ونبرأ إلى الله تعالى من هذا الجهل ، وكلّ من نسب هذا الرأي إلينا
جاهل بمذهبنا أو مفتر علينا ، فإنّ القرآن العظيم والذكر الحكيم متواتر من طرقنا
بجميع آياته وكلماته وسائر حروفه وحركاته وسكناته تواتراً قطعياً عن أئمّة الهدى
من أهل البيت عليهم السّلام لا يرتاب في ذلك إلاّ
____________
(1) أصل الشيعة وأًصولها 101 ـ 102 ،
ط 15 .
===============
( 31 )
معتوه ، وأئمّة أهل البيت كلّهم أجمعون رفعوه إلى جدّهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الله
تعالى ، وهذا أيضاً ممّا لا ريب فيه .
وظواهر القرآن الحكيم فضلاً
عن نصوصه أبلغ حجج الله تعالى ، وأقوى أدلّة أهل الحق بحكم الضرورة الأوليّة من
مذهب الإماميّة ، وصحاحهم في ذلك متواترة من طريق العترة الطاهرة ، ولذلك تراهم
يضربون بظواهر الصحاح ـ المخالفة للقرآن ـ عرض الجدار ولا يأبهون بها ، عملاً
بأوامر أئمّتهم عليهم السّلام .
وكان القرآن مجموعاً أيام
النبي (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) على ما هو عليه الآن من الترتيب والتنسيق في
آياته وسوره وسائر كلماته وحروفه ، بلا زيادة ولا نقصان ، ولا تقديم ولا تأخير ،
ولا تبديل ولا تغيير .
وصلاة الإماميّة بمجرّدها
دليل على ذلك ، لأنّهم يوجبون بعد فاتحة الكتاب ـ في كلّ من الركعة الاولى والركعة
الثانية من الفرائض الخمس ـ سورة واحدة تامّة غير الفاتحة من سائر السور ، ولا
يجوز عندهم التبعيض فيها ولا القران بين سورتين على الأحوط ، وفقههم صريح بذلك ،
فلولا أنّ سور القرآن بأجمعها كانت زمن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على ما هي الآن عليه
في الكيفية والكميّة ما تسنّى لهم هذا القول ، ولا أمكن أن يقوم لهم عليه دليل .
أجل ، إنّ القرآن عندنا
كان مجموعاً على عهد الوحي والنبوّة ، ومؤلّفاً على ما هو عليه الآن ، وقد عرضه
الصحابة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتلوه عليه من أوّله
إلى آخره ، وكان جبرائيل (عليه السّلام) يعارضه صلّى الله عليه وآله بالقرآن في كل عام
مرّة ، وقد عارضه به عام وفاته مرّتين ، وهذا كلّه من الامور
===============
( 32 )
الضرورية لدى المحقّقين من علماء الإمامية ، ولا عبرة ببعض الجامدين منهم ، كما لا
عبرة بالحشويّة من أهل السنّة القائلين بتحريف القرآن والعياذ بالله فإنّهم لا
يفقهون .
نعم ، لا تخلو كتب الشيعة
وكتب السنّة من أحاديث ظاهرة بنقص القرآن غير أنّها ممّا لا وزن لها عند الأعلام
من علمائنا أجمع ، لضعف سندها ، ومعارضتها بما هو أقوى منها سنداً ، وأكثر عدداً ،
وأوضح دلالة ، على أنّها من أخبار الآحاد ، وخبر الواحد إنّما يكون حجّة إذا اقتضى
عملاً ، وهذه لا تقتضي ذلك ، فلا يرجع بها عن المعلوم المقطوع به ، فليضرب
بظواهرها عرض الحائط » (1) .
وسئل
السيد محمد هادي الميلاني عن رأيه في المسألة فأجاب بما معرّبه :
« بسم الله الرحمن الرحيم
، الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى ، إنّ الذي نقطع به هو عدم وقوع أيّ
تحريف في القرآن الكريم ، لا زيادةً ولا نقصاناً ولا تغييراً في ألفاظه ، ولو جاء
في بعض الأحاديث ما يفيد التحريف فإنّما المقصود من ذلك ما وقع من تغيير معاني
القرآن حسب الآراء السقيمة والتأويلات الباطلة ، لا تغيير ألفاظه وعباراته .
وأمّا الروايات الدالّة
على سقوط آيات أو سور من هذه المعجزة الخالدة فمجهولة أو ضعيفة للغاية ، بل إنّ
تلك الآيات السور المزعومة ـ كالسورتين اللتين رواهما في ( الإتقان ) أو تلك
السورة التي رويت في ( دبستان المذاهب ) ، وكذا ما جاء في غيرهما من الكتاب ـ هي
وحدها تكشف عن حقيقتها ، إذ لا يشكّ الخبير بعد عرضها على اسلوب القرآن البلاغي في
كونها مختلفة باطلة .
هذا ، على أنّ أحداً لم يقل
بالزيادة ، والقول بنقصانه ـ كما توهّمه بعضهم ـ لا
____________
(1) أجوبة مسائل جار الله : 28 ـ 37
، وانظر له : الفصول المهمة .
===============
( 33 )
يمكن الركون إليه ، لا سيمّا بعد الإلتفات إلى قوله تعالى ( إنّ علينا جمعه وقرآنه )
وقوله تعالى (
وإنّا له لحافظون ) وقول تعالى ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه )
إلى غيرها من الآيات .
وبهذا الذي ذكرنا صرّح
كبار علماء الإمامية منذ الطبقات الاولى كالشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ
الطبرسي ، وهم جميعاً يعتقدون بما صرّح به رئيس المحدّثين الشيخ الصدوق في كتاب (
الإعتقادات ) الذي ألّفه قبل أكثر من ألف سنة حيث قال : إعتقادنا أنّ القرآن الذي
أنزله الله تعالى على نبيّه محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو ما بين الدفّتين ،
وهو ما في أيدي الناس ، ليس بأكثر من ذلك ـ إلى أن قال ـ ومن نسب إلينا أنّا نقول
أنّه أكثر من ذلك فهو كاذب .
والحاصل : إنّ من تأمّل
في الآدلّة وراجع تأريخ اهتمام المسلمين في حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبعده بضبط
القرآن وحفظه ودراسته يقطع بأنّ سقوط الكلمة الواحدة منه محال .
ولو أنّ أحداً وجد حديثاً
يفيد بظاهره التحريف وظنّ صحّته فقد أخطأ ، وإنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً » .
والسيد أبو القاسم الخوئي
بعد أن ذكر أسماء بعض النافين للتحريف من أعلام الإماميّة قال : « والحقّ بعد هذا
كلّه ، إنّ التحريف بالمعنى الذي وقع النزاع فيه غير واقع في القرآن أصلاً
بالأدلّة التالية ... » (1) ثم بيّن أدلّة النفي من الكتاب والسنّة
وغيرهما .
وللسيد محمد حسين
الطباطبائي بحث في « أنّ القرآن مصون عن
____________
(1) البيان في تفسير القرآن : 207 .
===============
( 34 )
التحريف » في فصول ، أورده في تفسيره القيّم ، في ذيل تفسير قوله تعالى : ( إنّا نحن نزّلنا الذكر
وإنّا له لحافظون ) (1) .
____________
(1) الميزان في تفسير القرآن 12 :
106 .