الباب الثاني:

    في أحواله‏ عليه السلام مع خلفاء زمانه‏

  وهو يشتمل على أربعة عناوين:

   أ - خلفاء زمانه‏ عليه السلام :

 (٥٢٧)  أبو علي الطبرسي‏ رحمه الله: وكانت في أيّام إمامته [أي أبي جعفر الثاني ‏عليه السلام‏] بقيّة ملك المأمون.

 وقبض‏ عليه السلام في أوّل ملك المعتصم(١٦٥) .

 (٥٢٨) ابن شهر آشوب ‏رحمه الله: فكان في سني إمامته [عليه السلام‏] بقيّة ملك المأمون، ثمّ ملك المعتصم، والواثق. وفي ملك الواثق استشهد(١٦٦) .

 

 ب - أحواله‏ عليه السلام مع المأمون :

   -١(٥٢٩) الشيخ الصدوق‏ رحمه الله: ... ياسر الخادم، قال: ... فوقف [المأمون ]على الرضاعليه السلام وقد أفاق، فقال: يا سيّدي! واللّه ما أدري أيّ المصيبتين أعظم عليّ؟ فقدي لك وفراقي إيّاك؟ أو تهمة الناس لي إنّي اغتلتك وقتلتك؟

 قال: فرفع طرفه إليه، ثمّ قال: أحسن يا أمير المؤمنين! معاشرة أبي جعفرعليه السلام فإنّ عمرك وعمره هكذا وجمع بين سبّابتيه ... (١٦٧) .

 والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.

   -٢(٥٣٠) ابن الصبّاغ: إنّ أبا جعفر محمد الجوادعليه السلام لمّا توفّي والده أبو الحسن الرضاعليه السلام وقدم الخليفة المأمون إلى بغداد بعد وفاته بسنة.

 اتّفق أنّ المأمون خرج يوماً يتصيّد، فاجتاز بطرف البلد، وثمّ صبيان يلعبون، ومحمد الجوادعليه السلام واقف عندهم، فلمّا أقبل المأمون، فرّ الصبيان، ووقف محمد الجوادعليه السلام وعمره إذ ذاك تسع سنين(١٦٨).

 فلمّا قرب منه الخليفة، نظر إليه، وكان اللّه تعالى ألقى في قلبه مسحة قبول.

 فقال له: يا غلام! ما منعك أن لاتفرّ كما فرّ أصحابك؟

 فقال له محمد الجوادعليه السلام مسرعاً: يا أمير المؤمنين! فرّ أصحابي فرقاً والظنّ بك حسن، أنّه لايفرّ منك من لاذنب له، ولم يكن بالطريق ضيقا فأنتحي(١٦٩) عن أمير المؤمنين.

 فأعجب المأمون كلامه وحسن صورته، فقال: ما اسمك يا غلام!؟

 فقال: محمد بن علي الرضاعليهما السلام.

 فترحّم الخليفة على أبيه، وساق جواده إلى نحو وجهته، وكان معه بزاة الصيد، فلمّا بعد عن العمارة أخذ الخليفة بازياً منها، وأرسل على درّاجة، فغاب البازي عنه قليلاً، ثمّ عاد وفي منقاره سمكة صغيرة، وبها بقاء من الحياة.

 فتعجّب المأمون من ذلك غاية العجب، ثمّ إنّه أخذ السمكة في يده، وكرّ راجعاً إلى داره وترك الصيد في ذلك اليوم، وهو متفكّر فيما صاده البازي من الجوّ.

 فلمّا وصل موضع الصبيان وجدهم على حالهم، ووجد محمداً معهم، فتفرّقوا على جاري عادتهم إلاّ محمداً، فلمّا دنا منه الخليفة، قال: يا محمد!

 قال: لبّيك يا أمير المؤمنين!

 قال: ما في يدي؟

 فأنطقه اللّه تعالى بأن قال: إنّ اللّه تعالى خلق في بحر قدرته، المستمسك في الجوّ ببديع حكمته، سمكاً صغاراً، فصاد منها بزاة الخلفاء، كي يختبر بها سلالة بيت المصطفى.

 فلمّا سمع المأمون كلامه، تعجّب منه وأكثر، وجعل يطيل النظر فيه، وقال: أنت ابن الرضا حقّاً، ومن بيت المصطفى صدقاً.

 وأخذه معه وأحسن إليه، وقرّبه وبالغ في إكرامه وإجلاله وإعظامه، فلم يزل مشفقاً به لما ظهر له أيضاً بعد ذلك من بركاته ومكاشفاته وكراماته وفضله وعلمه وكمال عقله وظهور برهانه مع صغر سنّه، ولم يزل المأمون متوفّراً على تبجيله وعطائه وإجلاله وإكرامه(١٧٠) .

 

  - ٣المسعودي: ... عبد الرحمان بن يحيى، قال: كنت يوماً بين يدي مولاي الرضاعليه السلام في علّته التي مضى فيها؛ إذ نظر إليّ ... فإذاً أنا بمولاي أبي جعفرعليه السلام وعليه درّاعة بيضاء، معمّم بعمامة سوداء.

 فقال: يا عبد الرحمان! قم إلى غسل مولاك! فضعه على المغتسل؛ وغسّله بثوبه كغسل رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله وسلم، فلمّا فرغ صلّى وصلّيت معه عليه.

 ثمّ قال لي: يا عبد الرحمان! أعلم هذا الطاغي ما رأيت، لئلّا ينقص عليه شيئاً، ولن يستطيع ذلك.

 ولم أزل بين يدي سيّدي إلى أن انفجر عمود الصبح.

 فإذاً أنا بالمأمون قد أقبل في خلق كثير فمنعتني هيبته أن أبدأ بالكلام.

 فقال: يا عبد الرحمان بن يحيى! ما أكذبكم، ألستم تزعمون أنّه ما من إمام يمضي إلّا وولده القائم مكانه يلي أمره؟ هذا علي بن موسى بخراسان، ومحمد ابنه بالمدينة.

 قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! أما إذا ابتدأتني فاسمع، أنّه لمّا كان أمس، قال لي سيّدي كذا وكذا، فواللّه ما حضرت صلاة المغرب حتّى قضى، فدنوت منه.

 فإذا قائل من خلفي يقول: مه يا عبد الرحمان! وحدّثته الحديث.

 فقال: صفه لي، فوصفته له بحليته، ولباسه، وأريته الحائط الذي خرج منه، فرمى بنفسه إلى الأرض، وأقبل يخور كما يخور الثور، وهو يقول:

 ويلك يا مأمون! ما حالك، وعلى ما أقدمت! لعن اللّه فلاناً وفلاناً، فإنّهما أشارا عليّ بما فعلت (١٧١) .

 

  -٤ محمد بن يعقوب الكليني ‏رحمه الله: ... عن محمد بن الريّان، قال: احتال المأمون على أبي جعفرعليه السلام بكلّ حيلة فلم يمكنه فيه شي‏ء، فلمّا اعتلّ وأراد أن يبني عليه ابنته، دفع إليّ مائتي وصيفة من أجمل ما يكون، إلى كلّ واحدة منهنّ جاماً فيه جوهر يستقبلن أبا جعفرعليه السلام إذا قعد في موضع الأخيار، فلم يلتفت إليهنّ.

 وكان رجل يقال له «مخارق» صاحب صوت وعود وضرب، طويل اللحية، فدعاه المأمون.

 فقال: يا أمير المؤمنين! إن كان في شي‏ء من أمر الدنيا، فأنا أكفيك أمره.

 فقعد بين يدي أبي جعفرعليه السلام فشهق مخارق شهقةً اجتمع إليه أهل الدار، وجعل يضرب بعوده ويغنّي، فلمّا فعل ساعة.

 وإذاً أبو جعفرعليه السلام لايلتفت إليه لايميناً ولا شمالاً، ثمّ رفع إليه رأسه، وقال: اتّق اللّه يا ذا العثنون!

 قال: فسقط المضراب من يده والعود فلم ينتفع بيديه إلى أن مات.

 قال: فسأله المأمون عن حاله؟

 قال: لمّا صاح بي أبو جعفر، فزعت فزعةً لا أُفيق منها أبداً(١٧٢) .

 

   -٥(٥٣١) الشيخ المفيدرحمه الله: وروى الحسن بن محمد بن سليمان، عن علي ابن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن الريّان بن شبيب، قال: لمّا أراد المأمون أن يزوّج ابنته أُمّ الفضل أبا جعفر محمد بن علي‏ عليهما السلام بلغ ذلك العبّاسيّين، فغلظ عليهم واستكبروه، وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى إليه مع الرضاعليه السلام، فخاضوا في ذلك، واجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه.

 فقالوا: ننشدك اللّه يا أمير المؤمنين! أن تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا، فإنّا نخاف أن تخرج به عنّا أمراً قد ملّكناه اللّه، وتنزع منّا عزّاً قد ألبسناه.

 فقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً، وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك، من تبعيدهم والتصغير بهم.

 وقد كنّا في وهلة(١٧٣) من عملك مع الرضا ما علمت حتّى كفانا اللّه المهمّ من ذلك.

 فاللّه! اللّه! أن تردّنا إلى غمّ قد انحسر(١٧٤) عنّا، واصرف رأيك عن ابن الرضا، واعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره.

 فقال لهم المأمون: أما ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، ولو أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم، وأمّا ما كان يفعله من قبلي بهم، فقد كان به قاطعاً للرحم، وأعوذ باللّه من ذلك، وواللّه ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرضا، ولقد سألته أن يقوم بالأمر وأنزعه عن نفسي، فأبى، وكان أمر اللّه قدراً مقدوراً.

 وأمّا أبو جعفر محمد بن علي قد اخترته لتبريزه(١٧٥) على كافّة أهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنّه، والاُعجوبة فيه بذلك، وأنا أرجو أن يظهر للنّاس ما قد عرفته منه، فيعلموا أنّ الرأي ما رأيت فيه فقالوا: إنّ هذا الفتى وإن راقك(١٧٦) منه هديه، فإنّه صبي لا معرفة له ولافقه، فأمهله ليتأدّب ويتفقّه في الدين، ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك.

 فقال لهم: ويحكم! إنّي أعرف بهذا الفتى منكم، وإنّ هذا من أهل بيت علمهم من اللّه، وموادّه وإلهامه، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفرعليه السلام بما يتبيّن لكم به ما وصفت من حاله.

 قالوا له: قد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه، فخلّ بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شي‏ء من فقه الشريعة، فإن أصاب الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره، وظهر للخاصّة والعامّة سديد رأي أمير المؤمنين، وإن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه.

 فقال لهم المأمون: شأنكم وذاك متى أردتم.

 فخرجوا من عنده، واجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم، وهو قاضي الزمان على أن يسأله مسألة لايعرف الجواب فيها، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك، وعادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوماً للاجتماع، فأجابهم إلى ذلك.

 فاجتمعوا في اليوم الذي اتّفقوا عليه، وحضر معهم يحيى بن أكثم، فأمرالمأمون أن يفرش لأبي جعفرعليه السلام دست      (١٧٧) ويجعل له فيه مسورتان(١٧٨)، ففعل ذلك.

 وخرج أبو جعفرعليه السلام وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهر(١٧٩)، فجلس بين المسورتين، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه، وقام الناس في مراتبهم، والمأمون جالس في دست متّصل بدست أبي جعفرعليه السلام.

 فقال يحيى بن أكثم للمأمون: أتأذن لي يا أمير المؤمنين! أن أسأل أبا جعفر؟

 فقال له المأمون: استأذنه في ذلك.

 فأقبل عليه يحيى بن أكثم، فقال: أتأذن لي جعلت فداك، في مسألة؟

 قال له أبو جعفرعليه السلام: سل إن شئت.

 قال يحيى: ما تقول جعلني اللّه فداك، في محرم قتل صيداً؟

 فقال له أبو جعفرعليه السلام: قتله في حلّ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أم جاهلاً؟ قتله عمداً أو خطأ؟ حُرّاً كان المحرم أم عبداً؟ صغيراً كان أم كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل أم معيداً؟

 من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ من صغار الصيد كان أم من كباره؟ مصرّاً على ما فعل أو نادماً؟ في الليل كان قتله للصيد أم نهاراً؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحجّ كان محرماً؟

 فتحيّر يحيى بن أكثم، وبان في وجهه العجز والانقطاع، ولجلج(١٨٠) حتّى عرف جماعة أهل المجلس أمره.

 فقال المأمون: الحمد للّه على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي.

 ثمّ نظر إلى أهل بيته وقال لهم: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟

 ثمّ أقبل على أبي جعفر، فقال له: أتخطب يا أبا جعفر!؟

 قال: نعم، يا أمير المؤمنين!

 فقال له المأمون: اخطب جعلت فداك لنفسك! فقد رضيتك لنفسي، وأنا مزوّجك أُمّ الفضل ابنتي، وإن رغم قوم لذلك.

 فقال أبو جعفرعليه السلام: الحمد للّه إقراراً بنعمته، ولا إله إلاّ اللّه إخلاصاً لوحدانيّته، وصلّى اللّه على محمّد سيّد بريّته، والأصفياء من عترته.

 أمّا بعد: فقد كان من فضل اللّه على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: «وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم اللّه من فضله واللّه واسع عليم.»(١٨١)

 ثمّ إنّ محمد بن علي بن موسى يخطب أُمّ الفضل بنت عبد اللّه المأمون، وقد بذل لها من الصداق مهر جدّته فاطمة بنت محمدعليهما السلام وهو خمسمائة درهم جياداً، فهل زوّجتني(١٨٢) يا أمير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور؟

 قال المأمون: نعم! قد زوّجتك يا أبا جعفر! ابنتي على هذا الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح؟

 فقال أبو جعفرعليه السلام: قد قبلت ذلك، ورضيت به.

 فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم في الخاصّة والعامّة.

 قال الرّيان: ولم نلبث أن سمعنا أصواتاً تشبه أصوات الملاّحين في محاوراتهم، فإذاً الخدم يجرّون سفينة مصنوعة من الفضّة مشدودة بالحبال من الأبريسم على عجل مملوّة من الغالية، فأمر المأمون أن يخضب لحاء الخاصّة من تلك الغالية، ثمّ مدّت إلى دار العامّة، فطيّبوا منها، ووضعت الموائد فأكل الناس، وخرجت الجوائز إلى كلّ قوم على قدرهم.

 فلمّا تفرّق الناس وبقي من الخاصّة من بقي، قال المأمون لأبي جعفرعليه السلام: إن رأيت جعلت فداك! أن تذكر الفقه فيما فصّلته من وجوه قتل المحرم الصيد لنعلمه ونستفيده؟

 فقال أبو جعفرعليه السلام: نعم! إنّ المحرم إذا قتل صيداً في الحلّ، وكان الصيد من ذوات الطير، وكان من كبارها، فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً.

 فإذا قتل فرخاً في الحلّ، فعليه حمل قد فطم من اللبن(١٨٣)

 وإذا قتله في الحرم، فعليه الحمل، وقيمة الفرخ.

 وإن كان من الوحش، وكان حمار وحش، فعليه بقرة.

 وإن كان نعامة، فعليه بدنة(١٨٤)

 وإن كان ظبياً، فعليه شاة(١٨٥)

 فإن قتل شيئاً من ذلك في الحرم، فعليه الجزاء مضاعفاً، هدياً بالغ الكعبة.

 وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه، وكان إحرامه بالحجّ، نحره بمنى.

 وإن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكّة(١٨٦)

 وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد له المأثم، وهو موضوع عنه في الخطأ.

 والكفّارة على الحرّ في نفسه، وعلى السيّد في عبده،(١٨٧) والصغير لاكفّارة عليه، وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط بندمه عنه عقاب الآخرة، والمصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة(١٨٨).

 فقال له المأمون: أحسنت يا أبا جعفر! أحسن اللّه إليك! فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك؟

 فقال أبو جعفرعليه السلام ليحيى: أسألك؟

 قال: ذلك إليك جعلت فداك! فإن عرفت جواب ما تسألني عنه، وإلّا استفدته منك.

 فقال له أبو جعفرعليه السلام: أخبرني عن رجل: نظر إلى امرأة في أوّل النهار، فكان نظره إليها حراماً عليه.

 فلمّا ارتفع النهار، حلّت له.

 فلمّا زالت الشمس، حرمت عليه.

 فلمّا كان وقت العصر، حلّت له.

 فلمّا غربت الشمس، حرمت عليه.

 فلمّا دخل عليه وقت العشاء الآخرة، حلّت له.

 فلمّا كان انتصاف الليل، حرمت عليه.

 فلمّا طلع الفجر، حلّت له(١٨٩)

 ما حال هذه المرأة؟ وبماذا حلّت له وحرمت عليه؟

 فقال له يحيى بن أكثم: واللّه! ما أهتدي إلى جواب هذا السؤال، ولا أعرف الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدناه؟

 فقال أبو جعفرعليه السلام: هذه أمة لرجل من الناس، نظر إليها أجنبي في(١٩٠) أوّل النهار، فكان نظره إليها حراماً عليه.

 فلمّا ارتفع النهار، ابتاعها من مولاها، فحلّت له.

 فلمّا كان عند الظهر، أعتقها، فحرمت عليه.

 فلمّا كان وقت العصر، تزوّجها، فحلّت له.

 فلمّا كان وقت المغرب، ظاهر منها، فحرمت عليه.

 فلمّا كان وقت العشاء الآخرة، كفّر عن الظهار، فحلّت له.

 فلمّا كان في نصف الليل، طلّقها(١٩١) واحدة، فحرمت عليه.

 فلمّا كان عند الفجر، راجعها، فحلّت له.

 قال: فأقبل المأمون على من حضره من أهل بيته، فقال لهم: هل فيكم أحد يجيب عن المسألة بمثل هذا الجواب، أو يطرف القول فيما تقدّم من السؤال؟

 قالوا: لا واللّه! إنّ أمير المؤمنين أعلم بما رأى.

 فقال لهم: ويحكم! إنّ أهل هذا البيت خصّوا من الخلق بما ترون من الفضل، وإنّ صِغَر السنّ فيهم لايمنعهم من الكمال.

 أما علمتم أنّ رسول اللّه ‏صلى الله عليه وآله وسلم افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ‏عليه السلام وهو ابن عشر سنين، وقبل منه الإسلام وحكم له به، ولم يدع أحداً في سنّه غيره، وبايع الحسن والحسين‏ عليهما السلام وهما ابنا دون ستّ سنين، ولم يبايع صبيّاً غيرهما، أفلا تعلمون الآن ما اختصّ اللّه به هؤلاء القوم، وأنّهم ذرّيّة طيّبة بعضها من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأوّلهم.

 قالوا: صدقت يا أمير المؤمنين! ثمّ نهض القوم.

 فلمّا كان من الغد، حضر الناس وحضر أبو جعفرعليه السلام، وصار القوّاد والحجّاب والخاصّة والعامّة لتهنئة المأمون وأبي جعفرعليه السلام، فاُخرجت ثلاثة أطباق من الفضّة فيها بنادق مسك وزعفران، معجون في أجواف تلك البنادق رقاع مكتوبة بأموال جزيلة، وعطايا سنيّة واقطاعات(١٩٢)

 فأمر المأمون بنثرها على القوم في خاصّته، فكان كلّ من وقع في يده بندقة أخرج الرقعة التي فيها والتمسه فأطلق له، ووضعت البدر(١٩٣)، فنثر ما فيها على القوّاد وغيرهم، وانصرف الناس وهم أغنياء بالجوائز والعطايا.

 وتقدّم المأمون بالصدقة على كافّة المساكين، ولم يزل مكرماً لأبي جعفرعليه السلام، معظّماً لقدره مدّة حياته، يؤثره على ولده وجماعة أهل بيته(١٩٤) .

 

   -٦(٥٣٢) ابن شهر آشوب ‏رحمه الله: الخطيب في «تاريخ بغداد» عن يحيى بن أكثم: إنّ المأمون خطب، فقال: الحمد للّه الذي تصاغرت الأمور لمشيّته، ولاإله إلاّ اللّه إقراراً بربوبيّته، وصلّى اللّه على محمد عبده وخيرته.

 أمّا بعد، فإنّ اللّه جعل النكاح الذي رضيه لكمال سبب المناسبة.

 ألا وإنّي قد زوّجت «زينب» ابنتي من محمد بن علي بن موسى الرضاعليهم السلام أمهرناها عنه أربعمائة درهم.

 ويقال: إنّه ‏عليه السلام كان ابن تسع سنين وأشهر، ولم يزل المأمون متوفّراً على إكرامه وإجلال قدره(١٩٥) .

 

   -٧(٥٣٣) الحضيني رحمه الله: عن محمد بن اسماعيل الحسني، عن محمد بن علي، عن أيّوب السراج ، عن محمد بن موسى النوفلي، قال: دخلت على سيّدي أبي جعفرعليه السلام يوم الجمعة عشيّاً، فوجدت بين يديه، فوجدت أبا هاشم داود بن القاسم الجعفري، وعينا أبي هاشم بهمدان، ورأيت سيّدي أبا جعفر مطرقاً.

 فقلت لأبي هاشم: مايبكيك يا ابن عمّ؟

 قال: من جرأة هذا الطاغي، المأمون على اللّه و على دمائنا، بالأمس قتل الرضا، والآن يريد قتلي.

 فبكيت وقلت: يا سيّدي! هذا مع إظهاره فيك ما يظهره؟!

 قال: ويحك يا ابن العمّ! الذي أظهره في أبي، أكثر.

 فقلت: واللّه، يا سيّدي! إنّك لتعلم ما علمه جدّك رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله وسلم وقد علم ما علمه المصير وسائر النبيّين، وليس لنا حكم، والحكم والأمر لك، فإن تستكفي شرّه فإنّه يكفيك.

 فقال: ويحك يا ابن العمّ! فمن يركب إليّ الليلة في خدمة بالساعة الثامنة من الليل، وقد وصل الشرب والطرب إلى ذلك الوقت، وأظهره بشوقه إلى أُمّ الفضل، فيركب ويدخل إليّ ويقصد إلى ابنته أُمّ الفضل، وقد وعدها أنّها تبات في الحجرة الفلانيّة في بعد مرقدي بحجرة نومي.

 فإذا دخل داري عدل إليها وعهد الخدم ليدخلون إلى مرقدي، فيقولون: إنّ مولانا المأمون منّا، ويشهروا سيوفهم، ويحلفوا أنّه لابدّ نقتله، فأين يهرب منّا، ويظهرون إليّ.

 ويكون هذا الكلام إشعارهم.

 فيضعون سيوفهم على مرقدي ويفعلون كفعل غيلانه في أبي، فلايضرّني ذلك، ولاتصل أيديهم إليّ.

 ويخيّل لهم أنّه فعل حقّ، وهو باطل، ويخرجون مخضبين الثياب، قطرة سيوفهم دماً كذباً.

 ويدخلون على المأمون وهو عند ابنته في داري، فيقول: ماوراؤكم؟ فيروه أسيافهم تقطر دماً، وثيابهم وأيديهم مضرّجة بالدم

 فتقول أُمّ الفضل: أين قتلتموه؟

 فيقولون لها: في مرقده.

 فتقول لهم: ما علامة مرقده؟

 فيصفون لها، فتقول: إي واللّه! هو، فتقدم إلى رأس أبيها فتقبّله وتقول: الحمد للّه الذي أراحك من هذا الساحر الكذّاب.

 فيقول لها: يا ابنة! لاتعجلي، فقد كان لأبيه علي بن موسى هذا الفعل، فأمرته تفتح الأبواب وقعدت للتعزية، ولقد قتله خدمي أشدّ من هذه القتلة، ثمّ ثاب إلى عقلي.

 فبعثت ثقة خدمي صبيح الديلمي السبب في قتله فعاد إليّ وقال: إنّه في محرابه يسبّح اللّه، فتغلق الأبواب ثمّ تظهر أنّها كانت غشية وفاقت الساعة، فاصبري يا بنيّة، لاتكون هذه القتلة مثل تلك القتلة.

 فقالت: يا أبي! هذا يكون؟!

 قال: نعم! فإذا رجعت إلى داري وراق الصبح فابعثي استأذني عليه، فإن وجدتيه حيّاً، فادخلي عليه وقولي له:

 إنّ أمير المؤمنين شغب عليه خدمه وأرادوا قتله، فهرب منهم إلى أن سكنوا فرجع، وإن وجدتيه مقتولاً، فلا تحدّثي أحداً حتّى أجيئك، وينصرف إلى داره ترتقب ابنته الصبح.

 فإذا اعترض تبعث إليّ خادماً، فيجدني في الصلاة قائماً فيرجع إليها بالخبر فتجي‏ء وتدخل عليّ وتفعل ما قال أبوها، وتقول: ما منعني أن اجيئك بليلتي إلّا أمير المؤمنين إلى أن أقول واللّه الموفّق هاهنا من هذا الموضع يقول انصرف وتبعث له، وهذا خبر المأمون بالتمام(١٩٦) .

 

 - ٨ السيّد بن طاووس ‏رحمه الله: ...حدّثتني حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى ابن جعفر عمّة أبي محمد الحسن بن علي‏ عليهم السلام قالت: ... قالت أُمّ عيسى [زوجة الجوادعليه السلام‏]: ... كنت أغار عليه كثيراً، واُراقبه أبداً، وربّما يسمعني الكلام، فأشكو ذلك إلى أبي فيقول: يا بنيّة! احتمليه، فإنّه بضعة من رسول اللّه ‏صلى الله عليه وآله وسلم.

 فبينما أنا جالسة ذات يوم إذ دخلت عليّ جارية فسلّمت، فقلت: من أنت؟

 فقالت: أنا جارية من ولد عمّار بن ياسر، وأنا زوجة أبي جعفر محمد بن علي الرضا زوجك!

 فدخلتني من الغيرة مالا أقدر على احتمال ذلك، فهممت أن أخرج وأسيح في البلاد، وكاد الشيطان أن يحملني على الإساءة إليها، فكظمت غيظي، وأحسنت رفدها وكسوتها.

 فلمّا خرجت من عندي المرأة، نهضت ودخلت على أبي، وأخبرته بالخبر، وكان سكراناً لايعقل، فقال: يا غلام!عليّ بالسيف