الباب الرابع:

    في معجزاته عليه السلام‏

   وهو يشتمل على ستّة عشر عنواناً، وخمسين موضوعاً

   أ - معجزته عليه السلام في أيّام طفولته‏

 ويشتمل هذا العنوان على ثلاثة موضوعات:

   الأوّل - كلامه عليه السلام عند ولادته:

   -١   (٣٦٨) أبو جعفر الطبري رحمه الله: حدّثني أبو المفضّل محمد بن عبد اللّه، قال: حدّثني أبو النجم بدر بن عمّار، قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن علي، قال: حدّثني عبد اللّه بن أحمد، عن صفوان، عن حكيمة بنت أبي الحسن موسى عليه السلام، قالت: كتبت لمّا علقت أُمّ أبي جعفر عليه السلام به: خادمتك قد علقت. فكتب إليّ: إنّها علقت ساعة كذا، من يوم كذا، من شهر كذا، فإذا هي ولدت فالزميها سبعة أيّام.

 قالت: فلمّا ولدته، قال: «أشهد أن لا إله إلّا اللّه»(٢٣٣)

 فلمّا كان اليوم الثالث، عطس، فقال: «الحمد للّه، وصلّى اللّه على محمد وعلى الأئمّة الراشدين»(٢٣٤)

  -٢ ابن شهر آشوب رحمه الله: حكيمة بنت أبي الحسن موسى بن جعفرعليهما السلام قالت: ... فبينا نحن كذلك إذ بدر أبو جعفر عليه السلام في الطست، وإذاً عليه شي‏ء رقيق كهيئة الثوب يسطع نوره حتّى أضاء البيت، فأبصرناه ... فلمّا كان في اليوم الثالث، رفع بصره إلى السماء، ثمّ نظر يمينه ويساره، ثمّ قال: «أشهد أن لا إله إلّا اللّه، وأشهد أنّ محمداً رسول اللّه».

 فقمت ذعرةً فزعةً، فأتيت أبا الحسن عليه السلام، فقلت له: لقد سمعت من هذا الصبيّ عجباً !

 فقال: وما ذاك؟ فأخبرته الخبر. فقال: يا حكيمه! ماترون من عجائبه أكثر(٢٣٥)

 

 الثاني - خطبته البليغة:

 -١   (٣٦٩) أبو جعفر الطبري رحمه الله: وحدّثني أبو المفضّل محمد بن عبد اللّه، قال: حدّثني جعفر [بن محمد ]بن مالك الفزاري، قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الحسني، عن أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام، قال: كان أبو جعفر شديد الأُدمة .(٢٣٦) ولقد قال فيه الشاكّون المرتابون - وسنّه خمسة وعشرون شهراً - : إنّه ليس هو من ولد الرضا عليه السلام.

 وقالوا لعنهم اللّه: إنّه من شُنيف(٢٣٧) الأسود مولاه، وقالوا: من لؤلؤ؛ وإنّهم، أخذوه، والرضا عند المأمون، فحملوه إلى القافة، وهو طفل بمكّة في مجمع من الناس بالمسجد الحرام، فعرضوه عليهم، فلمّا نظروا إليه، وزرقوه(٢٣٨) بأعينهم، خرّوا لوجوههم سجّداً، ثمّ قاموا.

 فقالوا لهم: يا ويحكم! مثل هذا الكوكب الدرّي، والنور المنير، يعرض على أمثالنا، وهذا واللّه، الحسب الزكي، والنسب المهذّب الطاهر، واللّه ما تردّد إلّا في أصلاب زاكية، وأرحام طاهرة، وواللّه ما هو إلّا من ذرّيّة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب، ورسول اللّه، فارجعوا واستقيلوا اللّه، واستغفروه، ولاتشكّوا في مثله.

 وكان في ذلك الوقت سنّه خمسة وعشرين شهراً؛ فنطق بلسان أرهف(٢٣٩) من السيف، وأفصح من الفصاحة، يقول:

 الحمد للّه الذي خلقنا من نوره بيده، واصطفانا من بريّته، وجعلنا أُمناءه على خلقه ووحيه.

 معاشر الناس! أنا محمد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق ابن محمد الباقر بن علي سيّد العابدين بن الحسين الشهيد بن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب، وابن فاطمة الزهراء، وابن محمد المصطفى. ففي مثلي يشكّ، وعليّ وعلى أبوىّ يفترى، وأُعرض على القافة !؟

 وقال: واللّه! إنّني لأعلم بأنسابهم من آبائهم، إنّي واللّه لأعلم بواطنهم وظواهرهم، وإنّي لأعلم بهم أجمعين، وما هم إليه صائرون، أقوله حقّاً، واُظهره صدقاً، علماً ورّثناه اللّه قبل الخلق أجمعين، وبعد بناء السماوات والأرضين.

 وأيم اللّه! لولا تظاهر الباطل علينا، وغلبة دولة الكفر، وتوثّب أهل الشكوك والشرك والشقاق علينا، لقلت قولاً يتعجّب منه الأوّلون والآخرون.

 ثمّ وضع يده على فيه، ثمّ قال: يا محمد! اصمت، كما صمت آباؤك «فاصبر كما صبر اُولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم»(٢٤٠). إلى آخر الآية.

 ثمّ تولّى الرجل إلى جانبه، فقبض على يده ومشى يتخطّى رقاب الناس، والناس يفرجون له.

 قال: فرأيت مشيخة ينظرون إليه، ويقولون: «اللّه أعلم حيث يجعل رسالته»(٢٤١)

 فسألت عن المشيخة؟

 قيل: هؤلاء قوم من حيّ بن هاشم، من أولاد عبد المطّلب.

 قال: وبلغ الخبر، الرضا علي بن موسى عليهما السلام، وما صنع بابنه محمد.

 فقال: الحمد للّه! ثمّ التفت إلى بعض من بحضرته من شيعته، فقال: هل علمتم ما قد رميت به مارية القبطيّة، وما ادّعى عليها في ولادتها إبراهيم بن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم؟!

 قالوا: لا، يا سيّدنا ! أنت أعلم، فخبّرنا؟ لنعلم.

 قال: إنّ مارية لمّا أُهديت إلى جدّي رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، أُهديت مع جوار قسّمهنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه، وظنّ بمارية من دونهنّ، وكان معها خادم يقال له «جريح» يؤدّبها بآداب الملوك، وأسلمت على يد رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله وسلم، وأسلم جريح معها، وحسن إيمانهما وإسلامهما، فملكت مارية قلب رسول اللّه فحسدها بعض أزواج رسول اللّه ‏صلى الله عليه وآله وسلم.

 فأقبلت زوجتان من أزواج رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبويهما تشكوان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فعله وميله إلى مارية، وإيثاره إيّاها عليهما، حتّى سوّلت لهما أنفسهما أن يقولا: إنّ مارية إنّما حملت بإبراهيم من جريح، وكانوا لايظنّون جريحاً خادماً زمناً(٢٤٢).

 فأقبل أبواهما إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وهو جالس في مسجده، فجلسا بين يديه، وقالا: يا رسول اللّه! ما يحلّ لنا ولايسعنا أن نكتمك ما ظهرنا عليه من خيانة واقعة بك.

 قال: وماذا تقولان؟

 قالا: يا رسول اللّه! إنّ جريحاً يأتي من مارية الفاحشة العظمى، وإنّ حملها من جريح، وليس هو منك يا رسول اللّه!

 فأربد(٢٤٣) وجه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، تلوّن لعظم ماتلقّياه به؛ ثمّ قال: ويحكما ! ماتقولان؟!

 فقالا: يا رسول اللّه! إنّنا خلّفنا جريحاً ومارية في مشربة، وهو يفاكهها(٢٤٤) ويلاعبها، ويروم منها ماتروم الرجال من النساء، فابعث إلى جريح فإنّك تجده على هذه الحال، فأنفذ فيه حكمك وحكم اللّه تعالى.

 فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا الحسن! خذ معك سيفك ذا الفقار، حتّى تمضي إلى مشربة مارية، فإن صادفتها وجريحاً كما يصفان، فأخمدهما ضرباً.

 فقام علي ‏عليه السلام واتّشح بسيفه، وأخذه تحت ثوبه، فلمّا ولّى ومرّ من بين يدي رسول اللّه أتى إليه راجعاً، فقال له: يا رسول اللّه ! أكون فيما أمرتني كالسكّة المحماة في النار، أو الشاهد يرى مالا يرى الغائب؟

 فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: فديتك يا علي! بل الشاهد يرى مالايرى الغائب.

 قال: فأقبل علي وسيفه في يده حتّى تسوّر(٢٤٥) من فوق مشربة مارية، وهي جالسة وجريح معها، يؤدّبها بآداب الملوك، ويقول لها: أعظمي رسول اللّه، وكنّيه، وأكرميه، ونحواً من هذا الكلام حتّى نظر جريح إلى أميرالمؤمنين وسيفه مشهر بيده، ففزع منه جريح وأتى إلى نخلة في دار المشربة، فصعد إلى رأسها، فنزل أميرالمؤمنين إلى المشربة، وكشف الريح عن أثواب جريح، فانكشف ممسوحاً، فقال: أنزل يا جريح!

 فقال: يا أميرالمؤمنين! آمن على نفسي؟

 قال: آمن على نفسك.

 قال: فنزل جريح، وأخذ بيده أميرالمؤمنين، وجاء به إلى رسول اللّه ‏صلى الله عليه وآله وسلم؛ فأوقفه بين يديه، وقال له: يا رسول اللّه! إنّ جريحاً خادم ممسوح.

 فولّى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بوجهه إلى الجدار، وقال: حلّ لهما - يا جريح! - واكشف عن نفسك حتّى يتبيّن كذبهما. ويحهما ! ما أجرأهما على اللّه وعلى رسوله!

 فكشف جريح عن أثوابه، فإذاً هو خادم ممسوح كما وصف. فسقطا بين يدي رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وقالا: يا رسول اللّه! التوبة، استغفر لنا، فلن نعود.

 فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: لا تاب اللّه عليكما، فما ينفعكما استغفاري ومعكما هذه الجرأة على اللّه وعلى رسوله.

 قالا: يا رسول اللّه! فإن استغفرت لنا رجونا أن يغفر لنا ربّنا، وأنزل اللّه الآية التي فيها: «إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر اللّه لهم»(٢٤٦)

 قال الرضا علي بن موسى عليهما السلام: الحمد للّه الذي جعل في وفي ابني محمد، أُسوة برسول اللّه وابنه إبراهيم.

 ولمّا بلغ عمره ستّ سنين وشهور قتل المأمون أباه وبقيت الطائفة في حيرة، واختلفت الكلمة بين الناس، واستُصغِرَ سنّ أبي جعفر عليه السلام وتحيّر الشيعة في سائر الأمصار(٢٤٧).

 

 الثالث - إنّه عليه السلام أُوتي الحكم صبيّاً:

 -١  (٣٧٠) محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله: الحسين بن محمد، عن معلّي بن محمد، عن علي بن أسباط، قال: رأيت أبا جعفرعليه السلام وقد خرج عليّ، فأخذت ُ(٢٤٨) النظر إليه، و جعلت أنْظُر إلى رأسه ورجليه(٢٤٩) لأصف قامته لأصحابنا بمصر.

 فبينا أنا كذلك حتّى قعد، فقال(٢٥٠): يا علي(٢٥١)! إنّ اللّه احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ به في النبوّة.

 فقال(٢٥٢): «وآتيناه الحكم صبيّاً»(٢٥٣)، و:«لمّا بلغ أشدّه»(٢٥٤)، «وبلغ أربعين سنةً»(٢٥٥)، فقد يجوز أن يؤتي الحكمة وهو صبي، ويجوز أن يؤتاها(٢٥٦) وهو ابن أربعين سنة(٢٥٧)

   -٢(٣٧١) محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله: علي بن محمد وغيره عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن مصعب، عن مسعدة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه‏ عليه السلام، قال أبو بصير: دخلت إليه ومعي غلام خماسي(٢٥٨) لم يبلغ، فقال لي: كيف أنتم إذا احتجّ عليكم بمثل سنّه؟

 أو قال: سيلي عليكم بمثل سنّه(٢٥٩)

 

    ب - استجابة دعائه عليه السلام‏

 ويشتمل هذا العنوان على ستّة موارد:

 الأوّل - لأبي هاشم الجعفري:

 -١  (٣٧٢) أبو علي الطبرسي رحمه الله: قال أبو هاشم(٢٦٠): ودخلت معه ذات يوم بستاناً، فقلت له(٢٦١): جعلت فداك! إنّي مولع بأكل الطين، فادفع اللّه لي.

 فسكت، ثمّ قال لي بعد أيّام - ابتداء منه - : يا أبا هاشم! قد أذهب اللّه عنك أكل الطين.

 قال أبو هاشم: فما شي‏ء أبغض إليّ(٢٦٢) منه(٢٦٣) .

 

 الثاني - لدفع الزلازل بالأهواز:

  -١ الشيخ الصدوق ‏رحمه الله: ... عن علي بن مهزيار، قال: كتبت إلى أبي جعفرعليه السلام وشكوت إليه كثرة الزلازل في الأهواز ترى لنا التحوّل عنها؟

 فكتب‏ عليه السلام: لاتتحوّلوا عنها، وصوموا الأربعاء والخميس، والجمعة؛ واغتسلوا وطهّروا ثيابكم، وابرزوا يوم الجمعة وادعوا اللّه، فإنّه يرفع عنكم.

 قال: ففعلنا، فسكنت الزلازل.

 قال: ومن كان منكم مذنب فيتوب إلى اللّه سبحانه وتعالى، (ودعا لهم بخير)(٢٦٤).

 

 الثالث - لصهر بكر بن صالح:

  -١ الشيخ المفيد رحمه الله: ... عن بكر بن صالح، قال: كتب صهر لي، إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام: إنّ أبي ناصب خبيث الرأى، وقد لقيت منه شدّة وجهداً، فرأيك - جعلت فداك - في الدعاء لي؟

 فكتب ‏عليه السلام: قد فهمت كتابك وما ذكرت من أمر أبيك، ولست أدَع الدعاء لك إن شاء اللّه، والمداراة خير لك من المكاشفة، ومع العسر يسراً، فاصبر فإنّ العاقبة للمتّقين، ثبّتك اللّه على ولاية من تولّيت، نحن وأنتم في وديعة. اللّه الذي لاتضيع ودائعه.

 قال بكر: فعطف اللّه بقلب أبيه [عليه‏] حتّى صار لايخالفه في شي‏ء(٢٦٥) .

 

 

 الرابع - على أُمّ الفضل:

  -١ المسعودي رحمه الله: ... فلمّا انصرف أبو جعفرعليه السلام إلى العراق لم يزل المعتصم وجعفر بن المأمون يدبّرون ويعملون في الحيلة في قتله.

 فقال جعفر لأخته أُمّ الفضل ... فقال ‏عليه السلام لها: ما بكاؤك؟ واللّه! ليضربنّك اللّه بفقر لاينجي، وبلاء لا ينستر.

 فبليت بعلّة في أغمض المواضع من جوارحها، صارت ناسوراً ينتقض عليها في كلّ وقت. فأنفقت مالها وجميع ملكها على تلك العلّة، حتّى احتاجت إلى رفد الناس ... (٢٦٦) .

   -٢(٣٧٣) ابن شهر آشوب رحمه الله: وروى: أنّ امرأته أُمّ الفضل بنت المأمون سمّته في فرجه بمنديل، فلمّا أحسّ بذلك،

 قال [ابو جعفرعليه السلام‏] لها: «أبلاك اللّه بداء لا دواء له».

 فوقعت الآكلة في فرجها، وكانت تنتصب للطّبيب فينظرون إليها، ويسرّون بالدواء عليها( ، (٢٦٧ فلا ينفع ذلك حتّى ماتت من علّتها(٢٦٨) .

 

 الخامس - على عمر بن الفرج الرخجي:

 -١  (٣٧٤) محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله: الحسين بن محمد، عن معلّى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد اللّه، عن محمد بن سنان، قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام فقال: يا محمد! حدث بآل فرج حدث؟ فقلت: مات عمر.

 فقال: الحمد للّه(٢٦٩)! حتّى أحصيت له أربعاً وعشرين مرّة(٢٧٠)

 فقلت: يا سيّدي! لو علمت أنّ هذا يسرّك لجئت حافياً أعدو إليك.

 قال: يا محمد! أو لاتدري(٢٧١) ما قال لعنه اللّه لمحمد بن علي، أبي؟

 قال: قلت: لا!

 قال: خاطبه في شي‏ء فقال: أظنّك سكران!

 فقال أبي عليه السلام: «اللهمّ! إن كنت تعلم أ نّي أمسيت لك صائماً فأذقه طعم (٢٧٢) الحرب(٢٧٣)، وذلّ الأسر».

 فواللّه! إن ذهبت(٢٧٤) الأيّام حتّى حُرب ماله وما كان له، ثمّ اُخذ أسيراً وهو ذا قد مات - لا رحمه اللّه - وقد أدال اللّه عزّ وجلّ منه ومازال يديل أولياءه من أعدائه(٢٧٥) .

 

 السادس - على المعتصم ووزرائه:

 -١  (٣٧٥) الراوندي رحمه الله: روي عن ابن أُورمة(٢٧٦) أ نّه قال: إنّ المعتصم دعا بجماعة من وزرائه، فقال: اشهدوا لي على محمد بن علي بن موسى‏عليهم السلام زوراً، واكتبوا أ نّه أراد أن يخرج، ثمّ دعاه، فقال: إنّك أردت أن تخرج عليّ؟!

 فقال: واللّه! ما فعلت شيئاً من ذلك.

 قال: إنّ فلاناً وفلاناً وفلاناً شهدوا عليك، وأُحضروا.

 فقالوا: نعم! هذه الكتب أخذناها من بعض غلمانك.

 قال: وكان جالساً في بهو(٢٧٧)، فرفع أبو جعفرعليه السلام(٢٧٨) يده، فقال: «اللهمّ! إن كانوا كذبوا عليّ، فخذهم».

 قال: فنظرنا إلى ذلك البهو كيف يزحف(٢٧٩) ويذهب ويجي‏ء، وكلّما قام واحد وقع.

 فقال المعتصم: يا ابن رسول اللّه! إنّي تائب ممّا فعلت. فادع ربّك أن يسكّنه.

 فقال: اللهمّ! سكّنه(٢٨٠)، وإنّك تعلم أ نّهم أعداؤك وأعدائي، فسكن(٢٨١).

 

    ج - طيّ الأرض له ‏عليه السلام

 ويشتمل هذا العنوان على أربعة موضوعات:

 الأوّل - إلى خراسان لتجهيز أبيه عند شهادته ‏عليهما السلام:

 -١  (٣٧٦) ابن بابويه القميّ رحمه الله: محمد بن موسى، عن محمد بن قتيبة، عن مؤدّبٍ كان لأبي جعفر عليه السلام، أنّه قال: كان بين يدي يوماً يقرأ في اللوح، إذ رمى اللوح من يده، وقام فزعاً وهو يقول: «إنّا للّه وإنّا إليه راجعون»، مضى - واللّه - أبي ‏عليه السلام.

 فقلت: من أين علمت؟

 قال: دخلني من إجلال اللّه وعظمته شي‏ء لم أعهده(٢٨٢). فقلت: وقد مضى؟

 فقال: دع عنك ذا(٢٨٣)، ائذن لي أن أدخل البيت وأخرج إليك، واستعرضني أيّ القرآن شئت، أفِ لك بحفظه(٢٨٤ ).

 فدخل البيت، فقمت ودخلت في طلبه إشفاقاً منّي عليه، فسألت عنه؟

 فقيل: دخل هذا البيت وردّ الباب دونه، وقال: لا تؤذنوا عليّ أحداً(٢٨٥) حتّى أخرج إليكم.

 فخرج مغبرّاً(٢٨٦) وهو يقول: «إنّا للّه وإنّا إليه راجعون»، مضى - واللّه - أبي.

 فقلت: جعلت فداك! وقد مضى؟

 فقال: نعم! وولّيت(٢٨٧) غسله وتكفينه ، وما كان ذلك ليلي منه غيري.

 ثمّ قال لي: دع عنك هذا استعرضني أيّ القرآن شئت أف لك بحفظه(٢٨٨) .

 فقلت: الأعراف؟

 فاستعاذ باللّه من الشيطان الرجيم، ثمّ قرء :

 بسم اللّه الرحمن الرحيم : «وإذ نتقنا الجبل فوقهم كانّه ظلّة وظنّوا أ نّه واقع بهم» (٢٨٩)

 فقلت: «المص»(٢٩٠)

 فقال: هذا أوّل السورة، وهذا ناسخ، وهذا منسوخ، وهذا محكم، وهذا متشابه، وهذا خاصّ، وهذا عامّ، وهذا ما غلط به الكتّاب، وهذا ما اشتبه على الناس(٢٩١)(٢٩٢)

   -٢(٣٧٧) المسعودي رحمه الله: روى علي بن محمد الخصيبي، قال: حدّثني محمد بن إبراهيم الهاشمي ، قال: حدّثني عبد الرحمان بن يحيى، قال: كنت يوماً بين يدي مولاي الرضا عليه السلام في علّته التي مضى فيها؛ إذ نظر إليّ، فقال لي: يا عبد الرحمان! إذا كان في آخر يومي هذا، وارتفعت الصيحة، فإنّه سيوافيك ابني محمد، فيدعوك إلى غسلي، فإذا غسّلتموني، وصلّيتم عليّ فأعلم هذا الطاغية لئلّا ينقص عليّ شيئاً، ولن يستطيع ذلك.

 قال: فواللّه! إنّي بين يدي سيّدي يكلّمني، إذ وافى المغرب، فنظرت فإذا سيّدي قد فارق الدنيا، فأخذتني حسرة وغصّة شديدة ، فدنوت إليه، فإذا قائل من خلفي يقول: مه يا عبدالرحمن! فالتفتّ فإذا الحائط قد انفرج، فإذا أنا بمولاي أبي جعفرعليه السلام وعليه درّاعة(٢٩٣) بيضاء، معمّم بعمامة سوداء.

 فقال: يا عبد الرحمن! قم إلى غسل مولاك، فضعه على المغتسل؛ وغسّله بثوبه كغسل رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله وسلم، فلمّا فرغ صلّى وصلّيت معه عليه، ثمّ قال لي: يا عبد الرحمان! أعلم هذا الطاغي ما رأيت، لئلّا ينقص عليه شيئاً، ولن يستطيع ذلك. ولم أزل بين يدي سيّدي إلى أن انفجر عمود الصبح؛ فإذا أنا بالمأمون قد أقبل في خلق كثير، فمنعتني هيبته أن أبدأ بالكلام.

 فقال: يا عبد الرحمن بن يحيى! ما أكذبكم، ألستم تزعمون أنّه ما من إمام يمضي إلّا وولده القائم مكانه يلي أمره؟ هذا علي بن موسى بخراسان، ومحمد ابنه بالمدينة.

 قال: فقلت: يا أميرالمؤمنين! أمّا إذا ابتدأتني فاسمع، أنّه لمّا كان أمس، قال لي سيّدي كذا وكذا، فواللّه! ما حضرت صلاة المغرب حتّى قضى فدنوت منه.

 فإذا قائل من خلفي يقول: مه يا عبد الرحمان! وحدّثته الحديث.

 فقال: صفه لي! فوصفته له بحليته، ولباسه، وأريته الحائط الذي خرج منه، فرمى بنفسه إلى الأرض، وأقبل يخور كمايخور الثور، وهو يقول: ويلك يا مأمون! ما حالك ، وعلى ما أقدمت! لعن اللّه فلاناً وفلاناً، فإنّهما أشارا عليّ بما فعلت(٢٩٤) .

   -٣(٣٧٨) الشيخ الصدوق رحمه الله: حدّثنا محمد بن علي ماجيلويه ومحمد بن موسى المتوكّل وأحمد بن زياد بن جعفر الهمداني وأحمد بن علي بن إبراهيم ابن هاشم والحسين بن إبراهيم بن تاتانه والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدّب وعلي بن عبد اللّه الورّاق رضي اللّه عنهم، قالوا: حدّثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن أبي الصلت الهروي، قال: بينا أنا واقف بين يدي أبي الحسن علي بن موسى الرضاعليهما السلام، إذ قال لي: ياأبا الصلت! أدخل هذه القبّة التي فيها قبر هارون، وائتني بتراب من أربعة جوانبها. قال: فمضيت فأتيت به، فلمّا مثّلت بين يديه.

 فقال لي: ناولني هذا التراب وهو من عند الباب، فناولته، فأخذه، وشمّه ثمّ رمى به.

 ثمّ قال: سيحفر لي هيهنا، فتظهر صخرة لو جمع عليها كلّ معول(٢٩٥) بخراسان لم يتهيّاء قلعها، ثمّ قال: في الذي عند الرجل والذي عند الرأس مثل ذلك، ثمّ قال: ناولني هذا التراب، فهو من تربتي.

 ثمّ قال: سيحفر لي في هذا الموضع، فتأمرهم أن يحفروا لي سبع مراقي إلى أسفل، وأن يشقّ لي ضريحة؛ فإن أبوا إلّا أن يلحدوا، فتأمرهم أن يجعلوا اللحد ذراعين وشبراً.

 فإنّ اللّه سيوسّعه مايشاء؛ فإذا فعلوا ذلك فإنّك ترى عند رأسي نداوة، فتكلّم بالكلام الذي أُعلمك، فإنّه ينبع الماء حتّى يمتلي اللحد، وترى فيه حيتانا صغاراً؛ ففتّ لها الخبز الذي أُعطيك؛ فإنّها تلتقطه، فإذا لم يبق منه شي‏ء خرجت منه حوتة كبيرة، فالتقطت الحيتان الصغار حتّى لايبقي منها شي‏ء، ثمّ تغيب.

 فإذا غابت فضع يدك على الماء، ثمّ تكلّم بالكلام الذي أُعلمك، فإنّه ينضب الماء ولا يبقى منه، ولا تفعل ذلك إلّا بحضرة المأمون.

 ثمّ قال عليه السلام: يا أبا الصلت! غداً أُدخل على هذا الفاجر، فان أنا خرجت وأنا مكشوف الرأس فتكلّم! أُكلّمك، وإن أنا خرجت و أنا مغطّى الرأس فلاتكلّمني.

قال أبو الصلت: فلمّا أصبحنا من الغد، لبس ثيابه وجلس فجعل في محرابه ينتظر، فبينما هو كذلك إذ دخل عليه غلام المأمون، فقال له: أَجب أمير المؤمنين، فلبس نعله ورداءه، وقام يمشي وأنا أتّبعه حتّى دخل المأمون، وبين يديه طبق عليه عنب، وأَطباق فاكهة، وبيده عنقود عنب قد أكل بعضه وبقي بعضه.

 فلمّا أبصر بالرضا عليه السلام وثب إليه، فعانقه وقبّل مابين عينيه، وأجلسه معه، ثمّ ناوله العنقود؛ وقال: يا ابن رسول اللّه! ما رأيت عنباً أحسن من هذا !

 فقال له الرضا عليه السلام: ربّما كان عنباً حسناً يكون من الجنّة.

 فقال له: كُل منه.

 فقال له الرضا عليه السلام: تعفيني منه.

 فقال: لابدّ من ذلك، وما يمنعك منه لعلّك تتّهمنا بشي‏ء.

 فتناول العنقود فأكل منه، ثمّ ناوله، فأكل منه الرضا عليه السلام ثلاث حبّات؛ ثمّ رمى به وقام، فقال المأمون: إلى أين؟

 فقال: إلى حيث وجّهتني.

 فخرج‏ عليه السلام مغطّي الرأس، فلم أُكلّمه حتّى دخل الدار، فأمر أن يغلق الباب، فغلق ثمّ نام عليه السلام على فراشه، ومكثت واقفاً في صحن الدار مهموماً محزوناً.

 ف